الناشطون والمنظمّون في الشارع عاطلون عن العمل؟

(الصورة من مواجهات 8 تشرين الأول أمام مبنى

(الصورة من مواجهات 8 تشرين الأول أمام مبنى “النهار”).

لا ينفكّ اللبنانيون يطرحون الأسئلة حول طبيعة الحراك الذي انطلقت شرارته مع حملة #طلعت_ريحتكم قبل أكثر من شهرين حين حشدت المظاهرة الشعبيّة الأولى لها في 25 تموز، ثم نجحت في استقطاب الآلاف في 22 آب الماضي، لتبلغ الذروة في 29 منه مع العديد من المجموعات التنظيميّة التي انضمت إلى الحراك لتتعدّد الجبهات من دون أن يخفّ الزخم. لم توفّر بعض التقارير تفصيل انتماءات أولئك وخلفياتهم ومدى ارتباطهم بمشاريع انقلابيّة تحت شعارات ثوريّة. انشغلت التحاليل بكشف المستور عن شبّان المجتمع المدني، فيما انهالت النظريات والملاحظات حول تحرّكاتهم وأخطائهم. “هذا يحقّر الدين”، “ذاك عميل لسفارات أجنبيّة”، “آخر يحبّ الأضواء”، أخيراً مجموعة من فلول “الشيوعيّة المنقرضة” تحتج في وسط البلد الأرستوقراطي وكلّهم عاطلون عن العمل ومتفرغون للبقاء في الشارع!

لم تعد التساؤلات بطبيعة الحال، تقتصر على صوابيّة الحراك وقدرته على استقطاب المئات في مظاهراته التي تبدأ غالباً نحو السادسة مساءً أي بعد انتهاء دوام العمل التقليدي. صار السؤال ملحاً أكثر مع توافد المنظمين والناشطين خلال ساعات النهار إلى الوقفات الاحتجاجية، إما تزامناً مع جلسات الحوار المنعقدة في مجلس النواب أو لاقتحام وزارة والحشد أمام مؤسسة أخرى. فكيف لأولئك أن ينزلوا يومياً إلى الساحات؟ أهم فعلاً “لا شغلة ولا عملة” ويفضّلون التسكّع في عين الشمس أمام العوائق الاسمنت والشرطان الشائكة ومداخل الوزارات؟

الحشّاش شغله ماشي
يدأب الناشط بيار الحشّاش – اشتهر بنشره الفيديوات الساخرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي- على الحضور إلى المظاهرات سواء مساءً أو ظهراً. وفي حديث لـ”النهار” يقول “أكيد أن لديّ عملًا خاصًّا ولا أنزل إليه لكنه شغّال، هذه الفرصة لا تعوّض لأن الساحة لنا، الأكثرية غير الحزبية التي كانت صامتة تتكلّم اليوم”. يضيف “مستعدّ لترك عملي والنزول إلى الشارع حتى النهاية، وإذا كان بيننا أشخاص عاطلون عن العمل فهذه سمة إيجابيّة وتعطي دفعاً للحراك إذ تدلّ إلى وجود بطالة فعليّة في البلد”.

العمل في بحر بعلبك
يستغل محمد السؤال عن عمله ليقوم بجولة مطالب إصلاحيّة ثم يعقّب قائلاً “لا عمل لدي ولا جامعة ولا شيء الحمدلله”. يقاطعه ناشط آخر مطالباً ببحر في مدينة بعلبك ويقول ساخراً “تأخروا في تأمين البحر فوق كنت سأجد عملاً على شواطئه ومرافئه فلماذا عليّ أن أنزل إلى بيروت؟”. عبدلله بدوره لا يملك عملاً ويثني على فاعلية الحراك في إسقاط نظام الفساد والوسائط “أي عمل أتقدّم إليه يتطلب واسطة، يجب على النواب والوزراء الذين يتاجرون بنا وقد مدّدوا لنفسهم أن يقدّموا معاشاتهم للشعب”.

يوم العطلة للشارع
بسّام، معلّم كهرباء، أنهى عمله باكراً والتحق بصفوف الحراك “كنت أراهم على التلفزيون وأؤيدهم لكنني قررت النزول إلى الشارع كي لا يلومني أحد بأنني أؤيدهم من المنزل”. يفيد مشهور من يوم عطلته الأسبوعيّ لينزل فيه باكراً إلى الشارع لكنه في باقي الأيام يأتي بعد انتهاء دوامه. سيزار لا يهمّه عمله ولا عائلته مؤكداً أنه سيتركهما للنزول إلى الشارع دوماً.
الناشط صلاح جبيلي – أضرب سابقاً عن الطعام – ترك عمله وينتظر الالتحاق بصفوف قسم الفنون في الجامعة، ويختصر مداخلته “إن كل من ينزل إلى الشارع يُقال عنه إنه لا يملك عملاً، فمن حقه الطبيعي أن ينزل في أي وقت إلى الشارع سواء صباحاً ومساءً وعلى جميع الناس أن يشاركوننا هذه الوقفات”.

طلاب الجامعات خائفون
حسين لا يزال طالباً في الجامعة اللبنانية وبانتظار فتح أبوابها هذا العام يعرف جيداً لماذا ينزل إلى الشارع “مطالبنا ليست آنية بل مستقبلية ووقائية لأننا أكيدين أنه إذا بقي الوضع على حاله فعندما نتخرّج لن نجد عملاً خصوصاً في ظل الوسائط والأجور المتدنّية وهذا الفساد الذي علينا إسقاطه”. هشام وفائي طالب جامعي آخر ويعمل في الوقت عينه، يشير إلى “أن من ينزلون معظمهم طلاب جامعات ويعملون ويأخذون إجازات للنزول إلى الشارع وهذا حقهم وهم أصلاً يطالبون بحقوق اللبنانيين، حتى لو تزامن الحراك بعد بدء الصفوف فسأستمر في النزول”.

المنظّمون: ينزلوا عنّا!
الناشط عماد بزّي، أحد المنظمين في حملة #طلعت_ريحتكم، يوفّر الردّ في حديثه لـ”النهار” لبعض الهزل: “يا ريت بينزلوا بدلاً منا لنرجع لشغلنا”. ثم يستدرك قائلاً “ثمة أشخاص يستطيعون النزول وفق طبيعة عملهم، منذ أول تحركاتنا أقوم بالتفرّغ للنزول إلى الشارع، وبما أني أعمل لحسابي الخاص وفي إدارة الأعمال أستطيع التحكم بوقتي ومن أعمل معهم أعطوني مجالاً خلال هذه الفترة، لكنني موجود دوماً على السمع في حال احتاجوني في شيء، استعنّا بعطلتنا السنوية كي لا نسمع الكثير من التأفف”. ويضيف “ثمة أفراد أعطوا الأولوية للحراك وثمة من تساعدهم طبيعة أعمالهم، كما يوجد أفراد عاطلون عن العمل وهذا جزء من مطالبهم”.

خلاصة الحديث ليس تقديم البراهين على مكانة الناشطين الاجتماعية أو الوظيفية، ولا لفتة إلى من تدبّر أمره مستفيداً من ليونة مشغّليه أو عمله الحرّ، بل إلى طالب أو عاطل عن العمل تفرّغ للنزول إلى الشارع. هذا العاطل الفعليّ عن العمل هو أداة التغيير الحقيقيّة، إذ يعوّل على غضبه الصادق بما أنه نابعٌ من حرمان متراكم من التعليم المجاني وفرص العمل اللائقة. يعوّل عليه في التغيير لأنه يعرف كيف يصبر على ظروف البلد ولا يختار الهجرة، لأنه رغم حالته اليائسة لن يرتهن إلى زعيم يشغّله، ولأنه يملك براءة – سمّوها “سذاجة” لا فرق- تجعله يحلم بتأمين رغيفه بالكفاية لا الواسطة ولا الالتواء… فلِمن يحتاج التغيير سوى الصابرين وأصحاب الأحلام؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله