“النفايات” تصنع “القوة الثالثة”… والهدف رئاسة وسياسة

المباشر لإندلاع شرارة التظاهرات والاحتجاجات في لبنان. هناك اسباب غير مباشرة لا تعد ولا تحصى تبدأ من حالة قرف اللبنانيين حول التقصير الرسمي بشأن الخدمات الاجتماعية. لا كهرباء، لا استشفاء، لا ضمان شيخوخة، لا سوق عمل، لا تشريع، لا انتخاب للرئيس، لا انتخابات نيابية… ولا تنتهي بالضغوط النفسية التي يعيشها اللبنانيون نتيجة التوترات الامنية والسياسية الاقليمية المحيطة بنا على اعلى مستوياتها.
لا يمكن لمواطن لبناني الا الإقرار بأحقية المطالب التي ينادي بها المتظاهرون في وسط بيروت. الوطنية والإنسانية والأخلاق يفرضون الاعتراف والدعم والمشاركة.
شكلت الاحتجاجات متنفساً طبيعياً للناس. هم يريدون ان يصل الصوت وتُلبى المطالب. هم ساخطون على الطبقة السياسية، يحملونها المسؤولية في التقصير والإهمال وعدم الاكتراث بمصالحهم. ينطلقون من الواقع المرير الذي يعيشونه. المشهد تماماً يشبه ما حصل في مصر وسوريا وغيرهما في بداية “الحراك”. قد يكون القيمون على الاحتجاجات ينتمون الى نفس المدرسة.
يتقدم الصفوف يساريون قدامى، بعضهم بات اقرب الى المؤسسة الاميركية الحديثة من خلال تعاطفه او بسبب دورات تدريبية أجريت  في السنوات الماضية ضمن برامج تثقيفية وتوجيهية. هذا لا يعني ابداً ان كل اليساريين القدامى بدلوا من انتماءاتهم الشيوعية، او ان كل “يساريي الساحة” أقاموا دورات أميركية. بعضهم لا يزال يرى في الولايات المتحدة رأس “الامبريالية”  التي لا يجب التعاون معها او الوثوق بها.
تقدم اليساريون في الساحات يستنهضون شيوعية أفل نجمها في كل العالم ولبنان رغم اهدافها الانسانية. وجدوا في التحرك دافعاً لإحياء “يسار” مضى عليه الزمن بعدما وضعته التطورات الدولية والداخلية في ثلاجة.
فهل اليسار “يجيّش” اليوم ضمن مهمة وطنية صرفة اعتاد على ممارستها في الزمن الماضي الجميل؟
قد يكون ذلك. لم لا؟!
لكن شكوكا تزداد حول طبيعة التحرك والتغطية التلفزيونية والمواكبة الاعلامية غير المسبوقة له والتحشيد والدفع اليساري. هناك من يطرح الأسئلة ويضع سيناريوهات حول اهداف منظمي التحرك. “الطاسة ضايعة”، اهداف بالجملة تتغير كل يوم. لكن يبدو “مرتا مرتا تهتمّين بشؤون كثيرة والمطلوب واحد…”(1)، اي رئاسة الجمهورية.

ماذا يعني إسقاط النظام؟ هل يقصدون النظام الطائفي؟
لا يبدو انه مسموح للمتظاهرين الوصول الى تلك الاهداف. ما يجري طرحه اليوم هو تظهير “المجتمع المدني” كقوة قائمة قادرة على فرض شروط بقوة الشارع. الهدف ان يكون هو “القوة الثالثة” بعد تراجع قوى “14 اذار” شعبيا و تحلل تحالف “8 اذار”.
المدخل الى “تغيير النظام”‘ وتحقيق العدالة هو الغاء الطائفية السياسية. وبما ان هذا الامر لن يتحقق الآن، فإن لا تغيير للنظام. المطالب التي ترفع لإنهاء النظام السياسي تصبح مجرد شعارات. لبنان بلد طائفي بتركيبته وستمنع كل طائفة ان يمس اي طرف بمرجعيتها. هذه الحصانة الطائفية قائمة تحمي اي نظام ورجالاته في السلطة، ما يفرض ضرب الطائفية، كمدخل نحو التغيير المنشود سياسياً.
ما هي وظيفة التظاهرات اذا؟ هل إجبار الحكومة على المبادرة الاجتماعية فقط؟
هناك من يشير الى توجه “المجتمع المدني” لفرض موازين قوى جديدة. يقولون انه بعد تظاهراته  في الشارع سيرفع من سقف المطالب الشعبية، ويحضر القيمون عليه مشروع ترشيح رئيس للجمهورية بإسم “القوة الثالثة المعتدلة”، ما يعني إقفال الباب على الترشيحات المعروفة المصنّفة سياسيا في خانتي اما 8 او 14 اذار. هذا يؤكد أيضاً ان هناك من يحرك التظاهرة عن بعد للاستثمار في السياسة والرئاسة.
هل نستنسخ في لبنان تجارب مصر وسوريا، اي ان تكون الاحتجاجات “السلميّة” بداية نزاعات مفتوحة فيما بعد؟
كل ما هو واضح يؤكد ان المواطنين صادقون لا ذنب لهم بأي خطة او توظيف، ما يستوجب مصارحتهم بالقول: لن تستطيعوا التغيير في لبنان من دون إسقاط النظام الطائفي. هو الأولوية لا تضيّعوا البوصلة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله