الكورونا… والتعليم عن بعد

Doc-P-693575-637224695029913113.jpg

بقلم رندة عبدالإله ميقاتي

لست أخصائيّة في عالم الميكروبات، ولا في عمق التحليلات التي تجري في العالم حول الكورونا، وإن يكن هناك من العلماء من يتوقع بأن تطول أزمة الكورونا، ومنهم من يتوقع بأن تنحسر ثم تتجدّد، ومنهم…. . وما سأتناوله في هذه المقالة هو ما فرضته أزمة الكورونا على التعليم، من إغلاق قسريّ للمدارس والمعاهد والجامعات ودورات التدريب، واستبدال كل ذلك بالتعليم عن بُعد.

وقد كنت خلال الحراك المدني الذي بدأ في 17 تشرين الأول من العام الماضي من أنصار هذا التعليم عن بُعد بسبب ما فرضه هذا الحراك من إغلاق متقطع للمدارس والجامعات، وذلك حتى لا يضيع على طلابنا أياماً وأسابيع من التعليم في الصفوف.

وقد سلك هذا النوع من التعليم عن بُعد طريقه، ليس في لبنان وحسب، بل وفي دول العالم أجمع، بسبب أزمة الكورونا الحالية. ولكن إذا كان هذا التعليم إلزامياً اليوم، فإنني أرى أهميته وإيجابياته، بعد إنحسار الأسباب الموجبة، والبقاء على نسبة معينة من المواد التعليمية، في المرحلة الثانوية في المدارس والمعاهد، وفي الجامعات. ومما لا شك فيه أن هناك سلبيات يجب على الجميع معالجاتها.

ومن السلبيات:

لم يتعود طلابنا على هذا النوع من التعليم بَعد، وإن كانت الفترة الحالية التي نحن فيها غير كافية للتقييم العلمي، إلا أن استخفاف الطلاب في المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة تسبب في صعوبة تحقيق الأهداف العلمية بالمقارنة مع التعليم المباشر في الصفوف المدرسية.
عدم تلبية مواصفات الإنترنت حالت دون الوضوح في الصوت والصورة أحيانا كما يجب، وخصوصاً في بعض المناطق، حتى أنه في بعض هذه المناطق كانت المشاركة على الإنترنت مستحيلة، علماً بأن التواصل على 3G هو عالي الكلفة نسبياً في لبنان.

عدم وجود الوسائل الإلكترونية من Laptop وهواتف ذكية عند بعض العائلات الغير ميسورة.
عدم تحقيق نسبة التفاعل الضرورية بين المعلم وطلابه – خصوصاً في المراحل التي ذكرناها – كما في منهجيات التعليم الذكي الحديثة، لتحقيق أكبر نسبة مشاركة وجذب انتباه كل الطلاب. كما أن على المحاضر تقديم المادة العلمية بشكل جذاب وواضح اكثر من التعليم الصفي.
الحجر الصحي في المنازل الذي فرضته أزمة الكورونا، حَرَمَت الأولاد من التواصل الإجتماعي المباشر مع رفاقهم، واستبدلته بالتواصل الإفتراضي المحدود في تأثيره الإيجابي على حيويتهم وطاقاتهم الشبابية.
ولا تتحقق معالجة هذه السلبيات إلا بالإضاءة عليها، والعمل على تطوير نظام الإتصالات الإلكتروني، والمتابعة الحثيثة من إدارة المدرسة بتأهيل الطاقم التعليمي على انتاج محتوى علمي الكتروني تفاعلي كما تدريبهم على استخدام مختلف البرامج الإلكترونية المتطورة في هذا المجال، وحث الأهل لمتابعة أبنائهم للإلتزام بجدية هذا النظام التعليمي (عن بُعد) لتحقيق أعلى نسبة ممكنة من الأهداف المرجوّة.

ومن الإيجابيات:

التعليم عن بُعد يَسدُّ ثغرة مهمة في معالجة تبعات الإقفال القسري الطويل الذي فرضته الظروف الإستثنائية.
هذا الإستعمال المفيد للوسائل الإلكترونية يجعل الطالب أكثر قناعة بتنمية استفادته منها، وأنها ليست فقط للألعاب المسلية، أو للتواصل بهدف التسلية، وأن هذه الوسائل تسمح له بولوج عالم المعرفة المفتوح على مصراعيه. وهذا ما يجب تنميته عند الأجيال الصاعدة قدر الإمكان.

إن تشجيع الطلاب للتعلّم عن بُعد يؤهلهم لسلوك طريق الإستفاة من الدورات التدريبية التي تهمّهم، كل في مجاله وهواياته، وحسب مستوياته العلمية والفكرية والثقافية، التي لا تُقدّم في البرامج المدرسية، وتُعرض بكثافة على شبكة الإنترنت.
إن التعاطي الجدّي من قبل الطالب في المدرسة والجامعة، مع هذا النوع من التعليم يجعله قابلاً أكثر لإيجاد فرصة عمل، بعد تخرجه من الجامعة والعمل عن بُعد. وهذا ما أصبح متداولاً في الغرب، وينمو بسرعة فائقة، بصرف النظر عن أزمة الكورونا. وسينتشر أكثر بعدها. فهو يسمح للشركات الكبيرة في العالم، بإستقطاب الطاقات العلمية، وبالمواصفات التي يطلبونها، من مختلف أنحاء العالم، والإبقاء عليها في بلدها، وبكلفة أقل.
وهذا أيضاً يفتح الأفاق أمام الطاقات العلمية التي تملك روح الريادة في العمل Entrepreneurship skills، بالعمل الجزئي مع عدة شركات عالمية في آنٍ واحد، وما يسمح به ذلك من تنمية الخبرة العملية والفنية، وما ينتج عن ذلك من علاقات تجارية ومدخولٍ مادّي جيد.
أخلص إلى القول، بأنه، حتى بعد إنتهاء أزمة الكورونا، من الأهمية بمكان الإبقاء على بعض المواد، التي يجب إختيارها بدقّة، للتعليم عن بُعد، في المرحلة الثانوية من التعليم المدرسي وفي مرحلة التعليم الجامعي، مما يسمح بتنمية هذه المهارة عند الطلاب، وتشجيعهم على القيام ببعض الأبحاث العلمية المشتركة في ما بينهم، وتقديمها عن بُعد، لما في ذلك من فائدة كبيرة لهم في مستقبلهم العملي. كما يمكن تخصيص يومين مثلاً في الشهر يتم فيهما التعليم حسب البرنامج عن بُعد حتى تتطور مهارات الأساتذة ويتعوّد الطلاب على تحصيل أكبر فائدة ممكنة من هذه الحصص التعليمية. كذلك يمكن إستقطاب أستاذ محاضر في موضوع معين من خارج البلد، وتخصيص وقت محدد، ولو مرة واحدة في الشهر لاعطاء محاضرة عن بُعد تساعد في تمكين الطلاب من التفاعل مع هذا التعليم.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله