خبريات لبنانية

الكلفة الحقيقية للتأخير بتخليص البضائع في مرفأ بيروت

القراءة

من الواضح اننا نواجه مشكلة حقيقية ولكنها غير واضحة للعلن، الا انها تؤثر فعليا على كل مواطن، وكل مستهلك وكل تاجر وصناعي ورجل اعمال ، انها تؤثر على الحركة الاقتصادية للبلد باكمله ، وهي التأخير الحاصل في تخليص البضائع في مرفأ بيروت .

لقد بات لبنان يعتمد بشكل كبير على مرفأ بيروت لاستيراد وتصدير البضائع وذلك يعود بالدرجة الاولى الى سياسة انمائية خاطئة حصرت كافة الاعمال بمرفأ بيروت والى شبه الحصار البري الذي يعانيه لبنان منذ ثلاث سنوات حتى الآن . كل ذلك جعل المرفأ الرئة شبه الوحيدة لعملية الاستيراد والتصدير وبالتالي فان اي خلل في عمل هذه الرئة الوحيدة ينعكس اختناقا على كل الجسم الباقي بنتائج اقل ما يقال عنها انها مؤذية .

تجهد كل الدول اليوم الى استنباط الآليات الاكثر فعالية لخلق مرافي تنافسية وترشيق الوقت الذي يعتبرونه الاثمن في عمليات الاستيراد والتصدير الا اننا في لبنان لا زلنا نعيش خارج هذه المنظومة مع اصرارنا على اعتماد الرقابة السابقة ، وهذه معطوفة على البيروقراطية الادارية المعروفة في لبنان ، تتحول عملية تخليص البضائع الى رحلة شائكة ومضنية .
ان النتيجة الاولى المباشرة لتاخير البضائع هو ارتفاع في الاكلاف مما ينعكس مباشرة على اسعار السلع الاستهلاكية، فبالرغم من انخفاض اسعار النفط عالميا وكذلك سعر صرف اليورو على الدولار، لا تزال السلع الاستهلاكية في لبنان وغيرها تحافظ على وتيرة تصاعدية .

قدّرنا بأنّ معاملات الاستيراد من خلال مرفأ بيروت ما بين الرسوم والمصاريف والتأخير والرشاوى طبعاً تزيد على اسعار السلع أكثر من 5%، علما اننا ندخل في صراع لعدم زيادة الTVA ، ولكن فعليا هناك زيادة مستترة على كافة السلع من خلال التكلفة الاضافية في مرفأ بيروت .

وفي هذه الحالة يكون التأخير اشد تأثيرا وكلفة من الرشاوى والسمسرات المعروفة حيث ان المستورد يتكبد حكما مصاريف اضافية مثل رسوم الخزن الاضافية التي وصلت الى حوالي 200 دولار على كل مستوعب.

كل ذلك جعل كلفة تخليص البضائع في لبنان هي دون شك من الاعلى في العالم، فالرسوم غير المفهومة التي يتقاضاها المرفأ والتي هي بمثابة ضرائب مستترة على حسب نوع البضاعة هي عملية عجيبة اعتقد انه آن الاوان لمناقشتها او احالتها الى لجنة نيابية لدرسها وتبيان مدى جدواها الاقتصادية.

جاء القرار الاخير بفرض الخط الاحمر أيْ الرقابة السابقة على كلّ المستوردات والصادرات من والى لبنان ليصبح معدل بقاء المستوعبات في المرفأ عند الاستيراد أكثر من 15 يوماً كمعدل وسطي. فالسؤال هنا هل إنّ هذا هو الحلّ الافضل لإيقاف عمليات التهريب والرشاوى والابتزاز في المرفأ. كلّ التجارب والدراسات في كلّ دول العالم أثبتت أنّ الرقابة اللاحقة هي الحلّ أمّا لعبة عضّ الاصابع بتأخير التخليص، فهي لا تفيد إلّا مَن يرتشي لأنّ اليوم أصبح المستورد مستعدّ أن يدفع مبالغ أكثر مما كان يدفعها لتأمين بضائعه في الوقت المحدَّد خصوصاً إذا كان مهدَّداً بالانقطاع.

وبالتالي يجب علينا التفكير جديا في ايجاد الحلول المطلوبة لخلق عملية استيراد ومرفأ شفاف وتنافسي في الوقت نفسه ، وتأتي ارقام البنك الدولي والمنشورة على الموقع الالكتروني ضمن تقرير سهولة القيام بالاعمال ، والتي ترتكز عليه معظم الشركات العالمية لتحديد المقاصد الافضل للقيام بالاعمال ، ان الارقام المنشورة في التقرير عن لبنان هي كارثية اذ حدد التقرير 22 يوما وهو عدد الايام الذي يحتاجه الفرد ليقوم بتصدير مستوعب من لبنان ، فيما دبي تحتاج 7 ايام ، وذلك بحسب البنك الدولي في تقرير سهولة القيام بالاعمال . و30 يوما هو عدد الايام الذي يحتاجه الفرد ليستورد الى لبنان ، فيما الايام التي تحتاجها دبي هي 7 ايام فقط وايضاً بحسب تقرير البنك الدولي .

ان هذه الارقام بالاضافة الى النتائج الفعلية على الارض تؤكد وجود مشكلة حقيقية ، من جهة التكاليف الاضافية والتأخير الذي يعانيه كل مستورد وصناعي ، ومن جهة أخرى الصورة السيئة عن لبنان وخوف اي مستثمر من الاقدام على خطوة للاستثمار في ظل ارقام تعكس بالفعل فشل في ايجاد بيئة صديقة للمستثمر.

نحن نفهم ونحترم ونقدر ما يقوم به معالي وزير المالية وبالواقع حسب المعلومات الاخيرة يوجد تحسن في عملية التخليص من جراء الاجراءات المعتمدة مؤخراً ، ولكن من المفروض أن نتعلّم من تجارب الماضي ونحن معه بأنّ كلّ آلية الاستيراد والتصدير بحاجة الى إعادة هندستها وكتابة إجراءات جديدة من فريق من المتخصصين شرط أن لا يتدخّل أحد من الموظفين الحاليين، لأنّ بعضهم قد يكون من المستفيدين أو من أصحاب عقلية الكتبة والفريسيين وهؤلاء لا يمكنهم كتابة إجراءات سريعة وشفافة وفعالة، والأفضل اعتماد لجنة من المستشارين والمتخصِّصين الذين يمتلكون خبرة في عمل المرافئ حول العالم لننقل لبنان من التعثّر الى الفعالية الحقيقية. الامثلة كثيرة من جبل علي وصولاً الى المرافئ الاوروبية. الرقابة اللاحقة أفعل وأجدى وتخيف المهرّب، فلنعتمدها.

اما اذا كان الحل المفروض اعتماد الخط الاحمر مؤقتا لفترة زمنية محدودة الى حين ضبط كافة المواضيع في المرفأ فيجب ان يترافق ذلك مع اعفاءات محددة لتخفيف العبء على الجميع :

اولا – اعفاء الارضية لفترة شهر لتقليص الاكلاف
ثانياً – اعتماد مناوبتين لتخليص الكم الاكبر من الاعمال ، فمن غير المقبول ان يستمر العمل بمناوبة واحدة في ظل الضغط الحاصل .
ان هذا الموضوع يحتاج الى معالجة سريعة ، وكلنا ثقة بان معالي وزير المالية سيتصرف بالحكمة المطلوبة لاعادة التنافسية الى هذا المرفق الحيوي ، ولانقاذ سمعة لبنان العالمية في مواضيع الاستيراد والتصدير .

Community

التعليقات والنقاش

f
تعليقات Facebook

لا تحتاج حسابًا على الموقع. إذا لم تكن مسجّلًا في Facebook فقد يطلب Facebook تسجيل الدخول لديه.