مرضٌ يُنهك أفراد 50 ألف عائلة في لبنان على مرأى من الدولة الغائبة!

Doc-P-612525-637001854412366817.jpg

آخ”، كلمة لا تفارق الشاب الأربعيني الذي يعيش وجعاً “مُدوبلاً”: وجعٌ جسدي ونفسي كبير يشعر به شخصياً، ووجع بالنيابة عن والده الذي أصيب منذ 5 سنوات بداء الألزهايمر. “تغيّرت حياتنا جميعاً. على غفلة من زمن وعمر ويقين، غاب أبي رغم حضوره. نحن في سباق غير متكافئ مع الزمن والمنطق. الوقت، ما عدنا قادرين على تحسسه. نتأرجح في اللحظة القائمة، معه، بين ماض يغور فيه والدي عنوة، وبين حاضر يحكمه الوجع والتعب والأمل، وبين مستقبل مخيف معروفة معالمه القاتمة”.

تنهيدة تلي كلّ عبارة يتفوّه بها هذا الشاب المُتعب. يتحدث عن داء يطال جميع أفراد العائلة، وعلى رغم ما يسببه للمريض نفسه من تأثيرات وتغييرات وألم، فإنّ الآخرين يظنون أنه “مش دريان بشي”. يتذكر، بغصّة وبما يشبه الشعور بالذنب ، يوم كان والده، الذي قضى حياته في وزارة التربية موّظفاً، يصطحبهم في مطلع الصيف إلى إحدى البلدات الجبلية لتمضية العطلة هناك. “كان شديد الاهتمام بسعادتنا وراحتنا، لكن اليوم نعجز عن ردّ الجميل بسبب هذا المرض الأرعن”، يقول.

تغرق “جينا” في المعاناة ذاتها. والدتها، هي المصابة. لم تعد تقوى على الكلام والمشي وتناول الطعام، وأصابتها جلطة طفيفة في الرأس زادت الأمر سوءاً. مرهقة تبدو السيدة الخمسينية التي تترك منزلها يومياً لتعتني بأمها المطروحة على الفراش، كعصفور مصاب بطلق ناريّ. “أمي ما عادت تعرفني، لكنها لا تتوانى عن تكرار ذلك الفعل الذي يمزق قلبي: تُمشّط شعري بنعومة، وتتحسس وجهي كأني للتوّ ولدت. أغور معها في الماضي، لكنها في ماضيها، وأنا لا أفلح إلا أن أكون في الماضي الذي أحبّ. ذلك الماضي الذي أراها فيه تلك السيدة القوية التي أنجبت 9 أطفال، تتحمّل الصعوبات، تخبز، تفلش حبات التين لتجفيفها، تضع الكثير من القرفة.

في طبخة الورق عريش، تتابع مسابقات الملاكمة على التلفاز، تخجل و”بتحمل ثقلة”، وتوّدعنا عند “آخر الطريق” عندما أزورها مع أولادي مزوّدة إياهم بالفريز والتوت وفطائر السبانخ. أمي اليوم، تعجز عن تذكر كيفية الاستحمام، فما بالي إن لم تفلح في معرفة اسمي؟!”.

تتشابه المعاناة في كلّ منزل يكون فيه شخص مصاب بالألزهايمر. معاناة لا يمكن اختصارها أو حصرها أو توصيفها، وهي تمدد أذرعها لتطال، كأخطبوط، كلّ من في المحيط. ثمة 45 إلى 50 ألف مصاب في لبنان. هذه أرقام خلصت إليها دراسة إحصائية أعدتها جمعية “ألزهايمر لبنان” بالتعاون مع الجامعة الأميركية، في بيروت ومنطقة الجبل. يشرح رئيس جمعية “ألزهايمر- لبنان” الدكتور جورج كرم في حديث لـ “لبنان24” أن “لا دراسة شاملة تغطي كلّ الأراضي اللبنانية قد أجريت حتى الساعة، لكن يمكن البناء على نتائج إحصاءات الدراسة التي أجريناها لنخلص إلى أنّ 9% من المسنين في لبنان مصابون بالخرف”.

هذه الأرقام ليست ضخمة وهي تماثل ما يتمّ حصره في بلدان أخرى في العالم، لكنها مرجحة إلى التصاعد بسبب تزايد أعداد المسنين في لبنان الذي يسجّل أعلى نسبة من المسنين بين البلدان العربية. يقول د. كرم أن نسبة المسنين في لبنان تبلغ راهناً 10 في المئة، ولأن الألزهايمر يرتبط بعامل التقدم بالعمر، فمن المرجح أن تزداد الإصابات به.

ويشرح الطبيب أن مرض “ألزهايمر” ينتمي إلى “عائلة” الخرف ويُعدّ من أكثر أنواعه شيوعاً وانتشاراً حول العالم، يليه النوع الثاني المعروف شعبياً بـ “النشاف”. تتشابه عوارض النوعين لكنّ الأسباب تختلف، ففي حين يطال “النشاف” شرايين الدماغ مانعاً الأوكسيجين من الوصول إليها ما يؤدي الى موت الخلايا، ينتج الألزهايمر من تراكم نوعين من البروتينات (“أميلويد – بيتا” و”تاو”) على الدماغ نفسه، فيتمّ القضاء على الخلايا أيضاً. ويلفت كرم إلى أن مسبب الألزهايمر معروفٌ، إلا أنّ العلم لم يتوّصل بشكل قاطع بعد إلى معرفة أسباب تراكم هذه البروتينات عند أشخاص دون الآخرين.

وعلى الرغم التوعية الملحوظة حيال هذا الداء راهناً، إلا أن أعداد اللبنانيين الذين يتلقون العلاج ما زال ضئيلاً، بحسب د. كرم. “عادة ما يتمّ عرض المصاب على طبيب الصحة العامة الذي يعوز أسباب التغيرات الحاصلة إلى “التقدم بالعمر”، فلا يتمّ التشخيص بشكل صحيح”.

ومن المعروف أن الطب لم يتوصل بعد إلى إيجاد علاج شاف لمرض الألزهايمر، لكنّ ثمة علاجات متوافرة تبطئ من أعراض المرض، ما يساعد المريض نفسه ومقدم الرعاية في مكان ما.

ويعدّ النسيان أحد أهمّ العوارض وأبرزها، إذ تتراكم البروتينات على منطقة الذاكرة القريبة في المرحلة الأولى من المرض وعندما تتقدم الحالة يصل الشخص إلى فقدان الذاكرة البعيدة أيضاً. وإذا كان النسيان يقلق ويزعج أفراد عائلة المريض، لكنه يبقى حتماً أخفّ وطأة من العوارض الأخرى التي تنتج أو ترافق الألزهايمر، وهي تتمثل بحالات الارتباك والتشوّش والخوف والمزاج المتقلب والعصبية وعدم القدرة على التفكير المنطقي والتعلّم وصولاً إلى العجز عن المشي أو الدخول إلى الحمام أو تناول الطعام، وهو ما يعرّض المرضى أيضاً إلى خطر السقوط أو الإصابة بالتهابات رئوية ناجمة من دخول بقايا الطعام إلى الرئتين، والتهابات في المسالك البولية…

ويوافق د. كرم على أنّ المرحلة الصعبة تبدأ عندما يعجز المريض عن المشي والقيام بالوظائف اليومية الإعتيادية، فذلك يشكّل عبئاً ثقيلاً على مقدّمي الرعاية ويجعلهم مجندين لخدمة المريض على مدار الساعة، ناهيك عن ما يسببه الاعتناء بالمريض مثل حمله من مكان إلى آخر والاهتمام بنظافته الشخصية وتبديل الحفاضات وحضّه على الهدوء عندما يكون في حال عدوانية…من أضرار جسدية ونفسية لمقدم الرعاية.

وعليه، يشير د. كرم إلى أهمية متابعة حالة المريض بدقة وعناية بحيث يجب الحفاظ على كلّ وظيفة ما زال المريض ينجح في تأديتها. يشرح:”مثلاً، إذا ما زال مريض الألزهايمر قادراً على المشي فعلينا أن نبقيه في نشاط جسدي بين الحين والآخر يومياً. وإذا كان ما زال بإمكانه تناول الطعام بمفرده فعلينا ألا نساعده حتى لو وسّخ ثيابه أو استغرقته عملية الأكل طويلاً. فلنسمح للسيدة التي كانت تحبّ أن تعتني بمنزلها وتطبخ مثلاً أن تعدّ الطعام، حتى لو اضطررنا إلى رمي الطبخة. عندما نقوم نحن بالنيابة عنه بوظيفة ما زال قادراً على تأديتها، فلنعلم أنه سيفقدها.”

ويشدد د. كرم على أهمية الحركة الجسدية كي لا تتدهور حالة المريض بسرعة وللحدّ من العصبية و”الحوصة” اللتين ترافقانه عادة. هذه ظاهرتان شائعتان لدى مريض الألزهايمر، ويعود السبب إلى بقائه عادة مسجوناً بين أربعة حيطان، وهو أمر شائع في لبنان للأسف، فيبدأ يطالب بالخروج ومغادرة المكان، كما أنّ المصاب ينتابه القلق والخوف لكونه غير قادر على التعرّف على من وما حوله، فتجده مثل شخص يصحو في منتصف الليل ليجد شخصاً غريباً ممدداً إلى جانبه، أو يبدو مثل من يسافر إلى بلد جديد لا يعرف لغته ولا طرقاته ولا تقاليده ولا أي شيء آخر فيه. إنها غربة حقيقية!

وعادة، لا يُظهر مريض الزهايمر سلوكا عدائيا من دون سبب. إنه ردّ فعل على شيء قام به مقدم الرعاية، أو أمر ما حصل في المحيط. على سبيل المثال، قد لا يفهم المريض أن ابنه ينزع عنه ثيابه من أجل أن يستحمّ بل قد يظنّ أنها محاولة سرقة! فإذا ما توّسل مقدم الرعاية العصبية والتعنت، فمن الطبيعي أن يبادر المريض إلى ردّ فعل شرس.

وبحسب د. كرم، العلاج نوعان. الأول يتمثل بتناول أدوية تخفف من العوارض وتبطئ تقدمها، والثاني، وهو الأهم، كناية عن مجموعة من العلاجات قوامها الأساس إبقاء المريض في نشاط ذهني وجسدي. العلاج الفيزيائي، التدرب على النطق واللفظ، القيام بأنشطة ذهنية ومعرفية مختلفة مفيدة للدماغ، التواصل الإجتماعي…كلّ هذا يساعد المريض على التخفيف من حدّة العوارض وسرعة تفاقمها.

ويلفت د. كرم إلى أنّ “الهبوط المفاجئ” في حال المريض، كأن يعجز فجأة عن التحرك والمشي أو يُظهر تغييرات ملحوظة في السلوك، قد تعود إلى إصابة المريض بالتهابات، وأهمها التهابات المسالك البولية، أو إلى تناوله دواء جديداً ذلك

أن مرضى الألزهايمر حساسون على الأدوية الجديدة. وهنا تكمن أهمية ملاحقة وضع المريض صحياً وإخضاعه لفحوصات دورية.

في لبنان حالياً، يبدو الاهتمام بمرضى الألزهايمر على مستوى الدولة مفقوداً. تغيب مراكز الرعاية المختصة، والمساعدات العينيّة والمعنوية، حتى أنّ ثمة نقصاً في القوانين اللبنانية التي ترعى حقوق المرضى. هذا الأمر يزيد العبء على مقدمي الرعاية في مختلف النواحي: المادية والنفسية والإجتماعية والصحية، كما أنه يضرّ بالمصابين أنفسهم في ظلّ غياب الوسائل العلاجية، وبالأخص الاجتماعية والمعرفية، وبقائهم تالياً وحكماً في منازلهم التي لا تراعي في معظم الأحيان معايير السلامة العامة الخاصة بمرضهم.

يقول د. كرم أنّ التجارب تثبت أهمية متابعة المريض يومياً وإبقائه نشيطاً وحضّه على التفكير والتعلم والمشاركة. ففي مكاتب جمعية “ألزهامير- لبنان” التي تأسست في العام 2003، ثمة ما يُشبه “الحضانة” مخصصة لاستقبال المرضى (الذين ما زالوا في المراحل الأولى والمتوسطة) بمعدل 3 أيام في الأسبوع حيث يقومون بأنشطة مختلفة برفقة أخصائيين مختلفين. “أستطيع أن أؤكد أنّ 90% ممن بدأوا معنا في هذا البرنامج منذ عام ما زالوا موجودين بيننا، ما يؤشر إلى فعاليته وتأثيراته الإيجابية على المرض”.

وتستقبل الجمعية أيضاً كل نهار اثنين مقدمي الرعاية للاجتماع في مكاتبها من أجل التحدث وتبادل الخبرات وتقديم التدريب اللازم، ما يخفف من وطأة المعاناة على المعنيين.

وليس استخدام كلمة “معاناة” عندما يتعلق الأمر بمقدمي الرعاية بعشوائي أو مبالغ فيه! إنها معاناة حقيقية، بل عذاب متعدد الأوجه. المشكلة أنّه في ظلّ غياب مراكز الرعاية الرسمية المجانية والحالة المعيشية الصعبة التي يعيشها معظم اللبنانيين اليوم، تجد عائلة المريض نفسها عاجزة عن توظيف مساعد(ة) يساعد على الاهتمام به، ويُضطر أفراد العائلة إلى توّلي تلك المهمات الصعبة، أو في أسوأ الأحوال إدخال المريض إلى “مأوى”. وفي هذا السياق، يشدد د. كرم على ضرورة عدم الاتكال على فرد واحد لتقديم الرعاية، بل يجب أن يتشارك أفراد العائلة هذه المهمة المضنية.

علمياً، لا علاجات شافية لمرض الألزهايمر بعد. بحسب د. كرم، “هناك دراسات كثيرة تُجرى واختبارات على أكثر من 100 دواء، وأبحاث ودراسات على لقاح يمكن أن يُعطى في سنّ مبكر.”

وعن العامل الوراثي في الإصابة بمرض الألزهايمر ، يقول د. كرم أنه “مرتبط بالسنّ الذي أصيب فيه أحد الوالدين. يعني، إذا أصيب الأب بالمرض عندما كان عمره أقلّ من 65 فيمكن للعامل الوراثي أن يلعب دوراً، أما إذا بدأ المرض مع تقدمه بالعمر (فوق 65)، فإن احتمالية الإصابة تقارب الـ 10%.

اليوم، ثمة من يختار أن يخضع لفحوصات مبكرة لتبيان احتمالية إصابته بالمرض، بخاصة إذا كانت ثمة حالات في العائلة. “لكنهم قلّة”، يقول د. كرم.

قد لا يفيد الشخص معرفة ما إذا كان سينتهي به المطاف مصاباً بداء النسيان والغرق في المجهول هذا، أم لا. لكن ما يفيد الجميع من دون استثناء هو حتماً اتباع نمط حياة صحيّ. بحسب د. كرم، “يجب ألا يتمّ إهمال أمراض السكري والقلب والكوليسترول والقلق النفسي، بل معالجتها باكراً للوقاية من الألزهايمر. أما التدخين فكارثة من الكوارث”. وبحسب ما أثبتت الدراسات، فإن المواظبة على ممارسة الرياضة بشكل منتظم من أهمّ العوامل المساعدة على إبعاد شبح الألزهايمر:”بمقدورنا تخفيض عدد حالات الإصابة بالألزهايمر في العالم بمعدل الثلث بمجرد ممارسة الرياضة 3 مرات في الأسبوع!”، يضيف د. كرم.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله