في لبنان … هذا الخطر يلاحقك وأنت في منزلك!

يعيدنا الحريق الذي اندلع داخل مطبعة ومستودع كبير في شارع مار الياس بالذاكرة إلى حريق آخر ضخم طال في العام 2010 مستودعاً ضخماً يحوي “فلاتر” تستخدم لتنقية مياه المسابح في منطقة عين الرمانة والموجود في أسفل مبنى سكني، إذ أطاح الحريق الطبقة الأولى منه، وأَجبر سكانه على إخلائه في وقتٍ غطَّت غيوم سوداء سماء العاصمة بيروت مسببةً حالات اختناق عدَّة جراء المواد السامة المنبعثة من المستودع يومذاك. هاتان الحادثتان وعلى رغم فارق 5 سنوات بينهما إلا أنهما تطرحان إشكالية انتشار المصانع والمشاغل والمستودعات في المباني المأهولة بعدما كانت هذه الأماكن تستخدم كملاجىء خلال الحرب اللبنانية.

المستودعات… من يعطي تراخيص استثمارها؟

“من غير الجائز استخدام ملاجىء الأبنية السكنية كمستودعات بأيِّ شكل من الأشكال أو تحت أي ذريعة وذلك لعدم توافر شروط السلامة العامة عند وضع المخططات للبناء والتشييد”، بحسب ما يؤكد مسؤولون في الدفاع المدني لـ”النهار”، وقد نصَّت المادة السادسة من القانون رقم 289 الصادر بتاريخ 8/5/2014 (تعديل بعض مواد المرسوم الإشتراعي رقم 50/67) على ما يلي:” تخضع رخص البناء والترميم ورخص المؤسسات والمحلات ورخص استثمار الملجأ لموافقة الدفاع المدني قبل إصدارها من المراجع المختَّصة. وبناءً على ما تقدَّم، تناط صلاحية منح الموافقة على تراخيص استثمار ملاجىء المباني السكنية بالمديرية العامة للدفاع المدني”.
ولكن كيف يمكن أن تتحوَّل هذه الملاجىء إلى أماكن للعمل تحت شروط عملية صعبة؟ يؤكد مسؤولون في الدفاع المدني أنَّه “لا يجوز أن تتحوَّل ملاجىء الأبنية السكنية إلى أماكن للعمل. ومن الناحية القانونية لا يحقُّ لأي مواطن تحويل ملجأ إلى مكان للعمل إلا إذا كان قد نفَّذ هذا الأمر قبل العام 1994 فيخضع حينها لأحكام قانون تسوية مخالفات البناء رقم 324 الصادر بتاريخ 24/3/1994 والتي تلزمه تسديد غرامة كبيرة لكي يسوِّي وضعه في نظر القانون”.

متطلبات السلامة العامة في قطاع البناء

تشمل متطلبات السلامة العامة في عمليات البناء تدابير وإجراءات من الواجب توافرها لضمان متانة الأبنية والـمنشآت وسلامة شاغليها ومستعمليها، عبر تطبيق التدقيق الفني القيام بإجراءات تنمثل بدراسة الـمستندات والخرائط ونتائج التحاليل والاختبارات، إضافة إلى معاينات ميدانية في الورشة بحسب المهندس الياس شلالا، مدير قسم البناء في شركة Bureau Veritas. وتتوزع على الشكل التالي:

“الـمهمة L: تتناول متانة الـمنشآت وعناصر التجهيز التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الـمنشأة.

الـمهمة:S تتناول شروط سلامة الاشخاص في الـمنشآت.

الـمهمة PS: تتناول شروط سلامة الأشخاص للوقاية من خطر الزلازل.

وتشتمل المهمة S محور موضوع هذا المقال على التدقيق الفني في التدابير العائدة للوقاية من مخاطر الحريق كتحمل الـمواد وعناصر البناء لتأثير النار، ومدى معالجة حصر الحريق، وطرق الخروج، والتقطيع والهروب، ووسائل الإسعاف، وأجهزة أنظمة الإنذار والتنبيه وإطفاء الحريق وتجهيزات. إلى جانب سحب الدخان طبيعياً، والتجهيزات والتمديدات الكهربائية، وتجهيزات التدفئة والتهوئة وتكييف الهواء والتبريد وتجهيزات سحب الدخان ميكانيكياً وتمديدات وشبكات الـمحروقات كالغاز والوقود السائلة. ولكن لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الـمهمةS تبرز قبل استلام البناء، ولا تتناول التعديلات المنفذة على مسؤولية الـمستثمرين أو الشاغلين بعد استلام البناء”.

أما بالنسبة إلى الابنية القائمة، فيحدد تاريخ العمل بالتدقيق الفني الإلزامي بقرار يصدر عن وزير الاشغال العامة والنقل بعد صدور مرسوم ملحق بناء على اقتراح الوزير ذاته يقضي باعتماد مقاييس ومواصفات خاصة وملائمة مستندة الى المواصفات والمقاييس المعتمدة للابنية والمنشآت الجديدة.

نعاني ثقافة إهمال

من جهته، يشير المهندس يوسف عزام رئيس جميعة “شبكة سلامة المباني” في حديث لـ”النهار” إلى أنَّه “لا يمكن وضع مستودع داخل مبنى، ومن غير القانوني استخدام الملاجىء أو بعض الطوابق في المباني كمستودعات خصوصاً تلك التي تحوي موادّ سريعة الاحتراق كالغاز أو المواد البترولية. وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ قسماً كبيراً من هذه المستودعات غير مرخص، ما يعني أنَّ المعنيين لا يعرفون بوجود هذه الأماكن، وبحسب الأبحاث التي أجريناها وجدنا أنَّ 17 مستودعاً مرخصة فقط، فيما البقية غير مرخصة. وكلنا نتذكر الحريق الذي طال معمل صابون في الزوق وكانت إلى جانبه مبانٍ سكنية، كذلك معمل الصفرا المخصص للسجاد الواقع بالقرب من الأوتوستراد، ما يؤكد أننا نعاني سوء تنظيم استخدام المباني، ما يوجب علينا تقسيم المسؤولية إلى microوترتبط بسكان المبنى الواجب عليهم رفع الصوت، وانتخاب لجنة بناية يصدق عليها لدى كاتب العدل لتصبح لجنة رسمية، وإذا ما وجدوا أي مخالفة للسلامة العامة في المبنى وجب عليهم تقديم اقتراح أو عريضة “تغيير استخدام” لمالك المستودع، وإن لم يتجاوب معهم تُرفع الرسالة للبلدية أو إلى قاضي الأمور المستعجلة العقاري الذي يرسل خبيراً ليكشف على المكان، وعلى ضوئه يتم تحضير تقرير عن الاستخدام، وهنا لا يمكن أحداً التهرب من المسؤولية. ومن ثمَّ لدينا الـ macro أي السلطة البلدية المحلية التي يجب أن تجري مسوحات ميدانية ومعرفة ما إذا كانت المستودعات تملك تراخيص، ومن ثم الوزارات المعنية. ولكننا نفتقد وجود متخصصين لدى الدولة أو السلطات المحلية لإجراء كشوفات على المباني ورؤية مدى مطابقتها لمواصفات السلامة، هذا بحاجة إلى مشروع قانون ضمن لجنة الأشغال أو أن تعطي وزارة الداخلية البلديات صلاحيات أشمل”.

معايير السلامة العامة لتجنّب وقوع حرائق

معايير السلامة العامة التي يجب أن تطبَّق في حال الإصرار على إنشاء المستودعات داخل المباني (وهو ليس أمراً محبّذاً) متنوعة. لذا سنعدِّد الأبرز بينها والتي يساهم التقيد بها في تجنُّب الحرائق والحوادث. وهنا بعض الشروط الأساسية التي يشير إليها الدفاع المدني اللبناني في حديث لـ”النهار”:

– أن يكون لهذه المستودعات مخرجان للطوارىء على الأقل، وألا تزيد المسافة التي تفصل بين الأول والثاني على الخمسين متراً.

– يجب أن تكون المواد المخزَّنة على هيئة رصَّات يسهل الوصول إليها، وألا يبلغ ارتفاع الرصّات مستوى الأسقف. فالمسافة بين أعلى الرصات والأسقف يجب ألا تقلَّ عن ثلاثة أقدام (90 سم).

– ينبغي ترك فواصل بين الممرات تتيح توافر مدخل ملائم لجميع أقسام المستودع.

– تأمين التهوئة الطبيعية والميكانيكية مما يساهم بتجدد الهواء في كل أرجاء المستودع.

– توافر وسائل إطفاء أوتوماتيكية تعمل وفق نظام إطفاء أوتوماتيكي عند اندلاع حريق، بالإضافة إلى جهاز إنذار أوتوماتيكي للتنبيه من وجود حريق.

– توافر معدَّات إطفاء يدوية وفقاً لطبيعة مكان التخزين ونوعية البضائع المخزَّنة.

– صيانة شبكة الكهرباء دورياً من الاختصاصيين.

– تدريب العاملين على الوقاية وطريقة استعمال وسائل الإطفاء من مدربين منتدبين من المديرية العامة للدفاع المدني.

– تأمين جدران وأبواب عازلة للحرارة بين أقسام المستودع لبعض الحالات وغيرها من المسلتزمات وفقاً لمحتويات المستودع”.

“درهم وقاية خير من قنطار علاج”، من هنا لا بدَّ لمالكي المباني والعاملين في هذه المستودعات أن يدركوا أنَّ التقيُّد بمعايير السلامة العامة ليس عقاباً، بل هو خط الدفاع الأول للمحافظة على ممتلكاتهم وعدم تعرضهم لمختلف أنواع الأخطار. وهنا، لا بدَّ من لفت الانتباه إلى أنَّ مسألة السلامة العامة تطبَّق لدى إنشاء المبنى ولكنَّ أي استثمار أو تعديل لاحق على هذا البناء لا يخضع لأي رقابة محلية أو على مستوى الوزارات ومؤسسات الدولة ككل. وهنا، الحاجة لإنشاء مناطق صناعية حديثة تضم مباني صناعية ومستودعات على أنواعها، بعضها جرى العمل على إنشائها في التسعينات من خلال التعاون مع خبراء هولنديين ولكن المحاصصات السياسية آنذاك حالت دون ذلك وبعضها يمكن البدء به درءاً لأخطار محتملة.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله