لبناني مع “أطباء بلا حدود” في العراق: الأفكار المسبقة تختلف عن الميدان

Doc-P-569800-636891123043669591.jpg

نشرت منظّمة “أطباء بلا حدود” تقريراً عن الشاب اللبناني مصطفى أحمد الذي يعمل منسق شؤون الإمداد في المنظمة في العراق.

وجاء في التّقرير:
عانى العراق سنوات من النزاع الكارثي ما تسبب بتشريد الملايين من منازلهم من بينهم أطفال وبالغون، وعلى الرغم من عودة نحو 4.9 مليون نازح إلى بيوتهم، لا يزال هناك 1.8 مليون نازح (وفق الأرقام الصادرة عن منظمة الهجرة الدولية).لـ”أطباء بلا حدود” حضور في العراق منذ عام 1991 وهي تعمل في محافظات الأنبار وبغداد وديالى وأربيل وكركوك ونينوى. وتدير حالياً مستشفى في غرب الموصل متخصص في رعاية الأمومة وطب الأطفال وخدمات الطوارئ، ومرفقاً للجراحة والرعاية التالية للجراحة – للمرضى الذي تعرضوا لإصابات بالغة ناجمة عن الحوادث في شرق الموصل. وقد المنظمة في تموز 2018 بتقديم خدمات الصحة النفسية في القسمين الشرقي والغربي من المدينة. وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى أنه جراء معركة الموصل في عامي 2016-2017 تضررت تسعة مستشفيات من أصل 13 مستشفى حكومي، ما تسبب في خفض قدرة الرعاية الصحية وعدد أسرّة المستشفيات بنسبة 70%. أما عملية إعادة إعمار المرافق الصحية فقد كانت شديدة البطء، وحتى أشهر قليلة مضت كان يتوفر أقل من 1500 سرير لمجموع سكان يبلغ 1.8 مليون نسمة، وهي نسبة تقل عن نصف الحد الأدنى المعياري المقرر عالمياً لتقديم الرعاية الصحية في سياق إنساني.تغيير نمط الحياة المُعتادمصطفى أحمد، تخصص بإدارة الفنادق في لبنان، وعمل ضمن اختصاصه مدة 5 سنوات، ولكنْ جراء تدهور الوضع في القطاع السياحي في لبنان، قرر مغادرة عمله في القطاع الخاص وخوض تجربة العمل في منظمة. “لم أكن أعرف الكثير عن العمل في منظمة دولية غير أني قررت اختبار ذلك، وبمرور الوقت باتت شغفاً. تعرفت عام 2014 بالصدفة على أطباء بلا حدود وكنت أعتقد أنها تضمُّ أطباء أو ممرضين فقط، وكان تقدمي لوظيفة منسق شؤون الإمداد غريبةً في البدء. انضممت إلى المنظمة بعد فترة وجيزة حيث عملتُ في مكتبها في لبنان، إلى أنْ قررت الذهاب في بعثة إلى العراق عام 2018. نعلمَ الكثير عن العراق من الأخبار وتعرفت أكثر إلى الوضع الصحي في البلد من خلال المستندات والمعلومات التي وجبَ عليَّ الاطلاع عليها قبل السفر، وكذلك من خلال الحديث مع موظفين آخرين قد خاضوا هذه التجربة سابقاً وذلك لتكوين فكرة أوضح عن العمل في الميدان. السفر في بعثة خارج لبنان أشعرني بتوتر إيجابي، وقد كان قراراً شخصياً ناتجاً عن السعي نحو اكتساب خبرة جديدة وتغيير نمط الحياة الذي نعتاده بمرور الوقت. في اليوم الأول الذي وصلتُ فيه إلى العراق كان زملائي في انتظاري في المنزل وتمَّ استقبالي بحفاوةٍ. وهو أمرٌ لم أكن أتوقَّعه! العراق في طور إعادة الإعمار في العراق أعمل كمنسق شؤون الإمداد في منظمة أطباء بلا حدود ويرتكز عملي الإداري على تلبية احتياجات المشاريع – من معدات طبية وأدوية – التي تديرها المنظمة، في مشروعين في الموصل ومدينة الصدر. لقد أرهقت الحرب العراقيين وهم بحاجة إلى “التقاط أنفاسهم” بعد أكثر من عقدٍ على  التدخلات الأجنبية والحرب على الإرهاب. تجربة صعبة ومؤلمة عانوا فيها من صعوباتٍ جمَّة ما جعل الحصول على الرعاية الصحية تحدياً يومياً إذ إنَّ هذا النظام لم يتعافى بشكل تام، وهناكَ فجوة كبيرة بين الخدمات المتوفرة واحتياجات السكان. ومن بين الاحتياجات الأخرى خدمات الصحة النفسية لمَن تضرروا نفسياً من العنف أو كانوا جرحى حرب أو ممن فقدوا أقارب لهم. ولكن، رغم كل ذلك، يشهدُ العراق حالياً مرحلة انتقالية يسودها الإعمار. خطط عام 2020في الموصل، تدير منظمة أطباء بلا حدود مشروع الصحة النفسية، كما نعمل على افتتاح مستشفى للتوليد، إلى جانب خطط أخرى لعام 2020 نسعى من خلالها إلى إيلاء الأولوية إلى المعايير والاحتياجات التي تلائم البلد. كذلك، نعمل على تحضير فرضيات أو بالأحرى خارطة طريق لأي حالة طوارئ يمكن أن يشهدها العراق، ونحاول التخطيط لكيفية تلبية الاحتياجات إن حصل ذلك والبحث عن حلول بديلة. ولذلك، مدَّدتُ بعثتي حتى عام 2020- بعدما كان من المفترض أن أسافر إلى العراق عام 2018 لمدَّة 6 أشهر فقط- اقتناعاً مني بأنَّه في ظل العمل على إطلاق مشروع جديد من غير المستحسن تغيير الشخص المسؤول لأنَّ التغيير في بعض الأحيان قد يعيد الأمور كافة إلى النقطة الصفر. الأفكار المسبقة تختلف عن الميدانإنَّ المعرفة التي يكتسبها الشخص من خلال العمل في بلد مختلف عن بلده ومع أشخاص من ثقافات وجنسيات مختلفة هو تجربة بحد ذاتها، كما أنَّ مستوى الاختلاف يصبح متشعباً. صحيح أنَّ العراق بلدٌ عربي، نتكلم اللغة نفسها ونتشارك بعض التقاليد، غير أنَّ لكل بلدٍ خصوصيته وحيثيته وعاداته الاجتماعية. تعلمت من العراقيين الكثير، خصوصاً فكرة احترام الأهل لما لهم من دور كبير في حياة أبنائهم، فهُم المرجعية. كما اعتدت من خلال هذه التجربة على التأقلم مع الظروف الجديدة ومع أشخاص ألتقي بهم للمرة الأولى، وأدركتُ أنَّ الأفكار المسبقة تختلف عن الواقع وما نراه ونعايشه في الميدان غالباً ما يقتضي التضحية والمرونة في الوقت نفسه. إلى أميركا اللاتينية دُرغيَّرت هذه التجربة من طباع مصطفى، بات متفهماً وأكثر هدوءاً في اتخاذ القرارات إن في العمل أو في حياته الشخصية. ويضيف: “تعلمت العيش مع أشخاص ذات طباعَ مختلفة، وأيقنتُ كيفية التواصل بطريقة شفافة والتعبير عن مشاعري بأسلوب صريح جداً. بتُّ أملكُ معرفة ذاتية عن نفسيَ أكثر من ذي قبل”. بعد العراق يحتاج مصطفى إلى فترة راحة، يرغب بالتعرف بعدها إلى منطقة بعيدة عن الشرق الأوسط، ويتطلَّع إلى الذهاب إلى بعثة تتكلم الإسبانية في أميركا اللاتينية كفنزويلا أو المكسيك، حيث تدير أطباء بلا حدود مشاريع مختلفة عن تلك الموجودة في منطقتنا العربية.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله