تعديل آلية تسعير الدواء: هل ستشفي الغليل؟!.. حاصباني: لن نقف مكتوفي الأيدي

Doc-P-532895-636791707614683104.jpg

استكمالاً لخطة رؤيوية وعلمية ومبنية على نتائج دراسات ومتابعات للقطاع الصحي في لبنان عموماً والدوائي خصوصاً، أفرج وزير الصحة غسان حاصباني منذ أيام عن إعلان يهمّ اللبنانيين أجمعين، بل بات موضوعه في الآونة الأخيرة قيد أخذ وردّ وتشريح ومقارنات. لقد تعدلت آلية تسعير الدواء!

الدواء في تركيا أرخص من لبنان. ليس بمقدور أحد أن ينفي هذا الواقع. لم يعد السفر إلى اسطنبول أو أنطاليا حاجة سياحية أو ترفيهية وحسب. ثمة من يبتاع تذكرة سفر تقلّه إلى تلك البلاد من أجل شراء الدواء بأسعار تقلّ عن الأضعاف. يُدرك وزير الصحة اللبناني هذا الأمر ويعترف به، لكنه لطالما أوضح الأسباب علّ “همروجات” النقمة والصدمة والنقّ الفارغ تتوقف. يكرر ما سبق وشرحه في مرّات كثيرة سابقة: “سعر الدواء في تركيا أرخص من لبنان مثل أي منتج آخر، فهل سألنا مثلاً “لماذا الملابس هناك أرخص؟”. يلفت الوزير الآتي من خلفية علمية جعلته خبيراً في التخطيط والاقتصاد والتكنولوجيا أنّ “السوق التركي يختلف عن اللبناني بشكل كبير. هناك حيث يعيش 70 مليون شخص، يتمّ دعم الصناعة المحلية وبخاصة صناعة الأدوية لتلبية احتياجات السوق، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون الأسعار أرخص، علماً أنّ كلّ شيء أقلّ تكلفة من لبنان أيضاً: الكهرباء، الاتصالات، معدل الرواتب، النظام الضريبي…”. ويوضح حاصباني أنّ الدواء المدعوم في تركيا ليس مخصصاً للتصدير بل للاستهلاك المحلي، ويعقب: “لا يمكننا مقارنة السوق اللبناني بالسوق المصري حيث عدد السكان يقارب 100 مليون ولا بالسوق الهندي على سبيل المثال. ومع هذا، فثمة أدوية جنيسية في لبنان أرخص من تلك المتوافرة في تركيا لأننا نستوردها من الهند، ولا مانع من استيراد أي دواء جديد يكون أقلّ سعراً في حال استوفى الشروط اللازمة”.

وإذ يقرّ حاصباني بأن سوق الأدوية في لبنان لا يمكن أن يماثل السوق التركي “مهما دعمناه نظراً إلى محدودية الاستهلاك”، يُذكّر في المقابل بأنّ “أكثر من 60% من اللبنانيين لا يدفعون سعر الدواء لكونه مدعوماً (الجهات الضامنة مثل الضمان الاجتماعي، الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، تعاونية موظفي الدولة، وزارة الصحة، المستوصفات..).

قد يصعب على بعض المواطنين فهم هذه المعادلة أو التسليم بها. هم الذين يرزحون تحت ثقل فواتير مدوبلة ومرتفعة، وهم الذين يعيشون منتقصي الحقوق بفعل تجاوز الاستحقاقات الدستورية والتمديدات والتأخير في تشكيل الحكومات. يصعب على وزير الصحة أيضاً أن يقف مكتوف الأيدي، وفق ما يقول في حديث لـ”لبنان24”: “فترة تصريف الأعمال يجب ألا توقفنا عن متابعة العمل، ولا سيّما المتعلق بحياة الناس”.

وعليه، يشرح أنّ تعديل آلية تسعير الدواء التي كشف عنها تأتي ضمن خطّة شاملة وضعها لدى استلامه وزارة الصحة وتشمل إصلاحات في مختلف القطاع الصحي تُنفذ بشكل تدريجي ومتسلسل وعلمي.

ويشرح حاصباني أنّ آلية تعديل الدواء المعمول بها راهناً كان قد وضعها وزير الصحة السابق وائل بو فاعور في أواخر العام 2016 وبوشر تطبيقها في بداية العام 2017. “آلية جديدة لم يكن جائزاً نسفها أو تعديلها في حينه لأسباب عدّة أهمها إفساح المجال لمراقبة جدواها ودراسة أثرها وسبر ثغرات قد تشوبها، بالإضافة إلى الحرص على تأمين استمرارية عمل الوزير السلف. العمل الوزاري، وبخلاف ما يعتقد البعض للأسف، ليس حلبة سباق أو بالأحرى قتال بين الوزراء”، يقول.

ويلفت حاصباني إلى أنّ تعديل الآليات بشكل عشوائي ومفاجئ قد يضرّ بالقطاع ويحدث خللاً جميعنا بغنى عنه.

ومع هذا، يوضح أنه تمّ تعديل جزء من الآلية في العام 2017 تناغماً مع برنامج تعديلات وُضع قيد الدراسة لإصلاح وضع السوق الدوائي ككل في لبنان، بما فيه دور الصيدلي وتحسين الأداء الدوائي ومتابعة الدواء إلكترونياً من خلال الباركود وتطبيق الوصفة الطبية الموحدة، وقد بوشر بتنفيذ التعديلات في بداية العام 2018 بحيث أعيد النظر في تسعير أكثر من 700 دواء بمعدل ناهز 40٪؜ وبلغ التخفيض حدّ 70٪؜، وتمّ تخصيص جعالة للصيادلة (للأدوية المنخفضة الثمن) بهدف دعمهم لأنهم ليسوا مجرد بائعين بل هم يقدمون النصائح والإرشادات.

وكانت الخطة تقتضي وضع تعديلات جديدة بشكل تدريجي وفق معطيات السوق، لكنّ رزنامة العام 2018 أصبحت تحت سيطرة تصريف الأعمال ولا تزال من دون أن يعرف أحدٌ موعد صعود الدخان الأبيض الحكومي.

يتابع حاصباني: “ولأن العمل يجب أن يستمرّ حتى في فترة تصريف الأعمال، مضينا قدماً في تنفيذ خطتنا الإصلاحية فكان وضع الآلية الجديدة لتسعير الدواء.

فما هي ميزات هذه الآلية وأبرز تعديلاتها؟!

يشرح حاصباني أنّه في السابق كنا ننتظر 5 سنوات قبل إعادة النظر بتسعيرة الدواء. اليوم صار بإمكاننا فعل ذلك في الشهر الأول من السنة الثالثة.

إذاً، سيكون اللبنانيون في بداية العام 2019 على موعد مع إعادة تسعير ما مجموعه 3340 دواء من أصل ما يقارب 5000 دواء، منها 1630 في شهر كانون الثاني والباقي بين آذار وحزيران المقبلين.

ووفق آلية التسعير المعتمدة في لبنان، يحدد سعر الدواء بناء على مقارنة بين أسعاره في 14 دولة، إضافة إلى دولة المنشأ، ويعتمد الدواء الأدنى سعراً.

لكن ماذا عن احتمالية أن يتلاعب مستوردو الأدوية بالفاتورة بحيث يضعون السعر الذي يناسبهم لا السعر الحقيقي للدواء؟

يقرّ حاصباني بأن “لا إمكانية لمراقبة أسعار 5000 دواء بشكل يوميّ، بيد أنّنا وضعنا آليات متشددة لمكافحة مثل هذه الأمور إذ يتمّ مثلاً سحب المنتج من التسويق فوراً متى تكتشف وزارة الصحة تزويراً أو تلاعباً بالفاتورة”.

ومن التعديلات التي طرأت على الآلية ما يتعلق بالدواء الجنيسي بحيث بات على سعره أن ينخفض حكماً متى شمل الانخفاض سعر الدواء الأساسي، ليبقى اقل منه بـ 10 في المئة كحد أدنى. يعود هذا الأمر، بحسب حاصباني، إلى واقع أن الدواء الأساسي لديه قدرة على مضاربة الأدوية الجنيسية فيما لو تقرر حرق الأسعار في سوق معيّن وسحب المنتج، وهذا ما يضرّ بالمريض حكماً ويضرب هدف وجود الأدوية الجنيسية.

لكنّ الوزير يوضح أنه يمكن الدواء الجنيسي أن يحافط على سعر الدواء الأساسي نفسه في حال كان مصنعاً محلياً، وهذا الإجراء يهدف إلى دعم الصناعة المحلية وتشجيعها.

لا ينسى حاصباني، بمناسبة الحديث عن الأدوية الجنيسية، أن يدعو إلى عدم التهويل على الناس وتخويفها من أنّ نوعية الدواء الجنيسي وفعاليته أقلّ من الدواء الأساسي: ” قد يختلف الأمر من مريض إلى آخر ومن حالة إلى أخرى بيد أنّ كل الادوية يتم تسجيلها بالطريقة ذاتها ضمن المعايير نفسها أكانت جنيسية أو أساسية، ولها ملفاتها المكتملة التي تلحظ التجارب ونتائجها”.

كان ينقص الآلية أن تعدّل ما سمح ولا يزال للطبيب أن يمنع الصيدلي من إعطاء المريض دواء جنيسياً عندما يشير إلى ذلك في الوصفة الطبية، لكنّ هذا التعديل لا يمكن أن ينجزه إلا مجلس النواب عبر تعديل قانون تنظيم مهنة الصيدلة في فقرته المتعلقة بالوصفة الطبية الموحدة. ولهذا، يقول حاصباني، يعتزم تكتل “الجمهورية القوية” تقديم اقتراح تعديل على القانون بحيث يصبح متاحاً أمام الصيدلي ان يصرف الى حامل الوصفة الطبية دواء تحت اسم جنيسي غير مذكور فيها ضمن شروط معيّنة بينها أن يكون الدواء الجنيسي يتمتع بالجودة والفعالية نفسها كالدواء الأساسي ولكن بسعر اقل، مما يتيح للمريض خيار المفاضلة بين دواء وآخر وفق موازنته وبالتالي تخفيض فاتورة الدواء.

ورداً على سؤال حول أدوية الأمراض المستعصية والتأخير في استلامها في بعض الأحيان، يلفت حاصباني إلى أننا “في فترة تصريف الأعمال وانحسار الموازنات قمنا بإدارة رشيدة لا أكثر ولا أقلّ بحيث حرصنا على أن يحصل كل مواطن بحاجة حقيقية ومستعجلة على الدواء بعد دراسة اللجنة الطبية لملفه، ولا ننسى أنه في السابق كانت هناك سهولة في الحصول على مثل هذه الأدوية بفعل عدم التزام بعض الأطباء ببروتوكولات الوزارة. اليوم، لا مشكلة في موضوع الأدوية المستعصية سيّما بعد دعم مجلس النواب من ناحية الموازنة عبر إقرار 75 مليار لبند الدواء حرصا على هذه الحاجة الإنسانية”.

إذاً، يسعى الوزير من خلال تعديل آلية تسعير الدواء إلى شفاء بعض الغليل على أمل الوصول إلى تطبيق الاستراتيجية الكبرى التي وضعها لقطاع الصحة في لبنان.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله