صفحات “الشوبينغ أونلاين” في لبنان: ما واقعها ومن يحمي المستهلك؟!

Doc-P-531479-636788192444263511.PNGلم تكن المرّة الأولى التي تبتاع فيها الصيدليّة جورجينا نعمة الله ملابس “أونلاين”، سيّما وأنها عاشقة للموضة ووجدت في هذا النوع من التسوّق توفيراً للوقت الذي يسابقها بسبب عملها وواجباتها الاجتماعية. لكن صدق المثل القائل “مش كل مرة بتسلم الجرّة” إذ وقعت أخيراً ضحية إحدى الصفحات الشهيرات على موقع “فيسبوك”.

في حديث لـ “لبنان24” تروي نعمة الله تفاصيل ما حدث فتقول إنها طلبت زيّاً بدا أنيقاً جداً وفق الصورة المعروضة على “الصفحة”، مع العلم أن الدفع لا يتمّ “اونلاين” بل نقداً لدى التسليم. صودف أنها كانت غائبة عن صيدليتها حين أتى شاب “الديليفري” فاستلمت الموّظفة العلبة ودفعت 109$ إضافة إلى رسم التوصيل. لكن سرعان ما حضرت ولم يكن الشاب قد غادر سيارته بعد، فتفقدت الملابس المنتظرة وكانت الصدمة! “شي بيقرّف، الأرض ما بمسحها بهيك قماشة”، تقول نعمة الله مُبرزة صورة ما حصلت عليه مقارنة مع الصورة على الانترنت (الصور مرفقة). بغضب تتابع حديثها:” لحقت فوراً بالشاب كي أردّ الملابس وأستعيد نقودي كونها لا تتطابق مع ما رأيته إلا من ناحية الشكل”. الصدمة الثانية كانت حين بادرها الأخير بالقول: “تعيشي وتاكلي غيرا مدام. مستحيل يردوها”. حاولت نعمة الله التواصل مع القائمين على الصفحة هاتفياً لكنّ أحداً لم يُجب. وبعد محاولات عدّة، كتبت تعليقاً على الصفحة المعنية لكنه حُذف فوراً، بل أكثر من ذلك، قام المعنيون بحجبها عن الصفحة (Block).

ليست نعمة الله الضحية الأولى، فكثيرون سبقوها وعلى الأرجح سيلحقون بها في مثل هذا النوع من التجارة. على مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة إنستغرام وفيسبوك، تتكاثر الحسابات والصفحات التي تعرض منتجات مختلفة، لا سيّما ملابس، بغية الاتجار بها في لبنان. والحال أن الوسائل التكنولوجية المتطوّرة لم تُغّير في حياة البشر الاجتماعية وحسب بل إنها اقتحمت عوالم أخرى كثيرة ومنها عالم التجارة. لم يعدّ التسوّق الكلاسيكي على سبيل المثال يتيماً إذ بات العديد من التجار أو الأشخاص العاديين يتوّسلون “السوشيل ميديا” وبعض التطبيقات الهاتفية كمنصات عرض لبيع منتجات أو خدمات كونها أقلّ تكلفة وأكثر استهدافاً للمستهلكين المتسمّرين أمام الشاشات الصغيرة. فهنا، لا إيجارات ولا موظفين ولا فواتير كهرباء وبلدية ومياه. ربما يقتصر الأمر على فاتورة اتصالات ومبلغ مخصص للخدمات الإعلانية التي توّفرها وسائل التواصل والتي يمكن القائم على الصفحة أن ينجزها بنفسه أو أن يسلمها لإحدى الشركات التي باتت متخصصة في كلّ ما يعنى بإدارة الصفحات على مواقع التواصل الحديثة (بما فيها تصميم الصفحة واللوغو وتحديث المحتوى والتوّجه بالمنشورات إلى شريحة محددة من الناس بحسب الهدف…).

ومن المعروف أن ثمة من يسافر إلى تركيا مثلاً ويأتي بحقيبة مليئة بالثياب (لا تمرّ عادة عبر الجمارك)، أو يطلبها من مواقع تجارية عالمية مثل “Aliexpress” فيصوّر البضائع في منزله وينشرها على صفحة افتراضية ويسوّقها ويبدأ ببيعها في السوق اللبناني بأسعار منافسة لأسعار السوق، ما بدأ فعلاً بإرهاق أصحاب المتاجر الموجودة على أرض الواقع.

وبخلاف المواقع الإلكترونية التي يمكن إتمام عملية الشراء والدفع “أونلاين”، فإن طلب منتج تعرضه إحدى الصفحات يتمّ عبر التواصل مع القائمين عليها عبر الواتساب مثلاً أو من خلال رسالة خاصة على “المسنجر” أو الاتصال الهاتفي فيما يتمّ تسديد المبلغ نقداً بعد الاستلام.

اشارة الى أن هذه السلوكيات لا تنسحب على كلّ العاملين في التسويق الالكتروني، فهناك العديد من الشركات التي تتمتّع بمصداقية وشفافية عالية وتحترم المستهلك وحقوقه.

أين وزارة الاقتصاد؟

أمام هذا الواقع الجديد والمترسّخ أكثر فأكثر، تبرز مروحة من الأسئلة المتنّوعة: ما هو واقع هذه الجهات التي تقوم بعملية تجارية واضحة من خلال استخدام الانترنت والوسائل التكنولوجية الحديثة مثلاً؟ هل هي مسجلّة لدى الدولة اللبنانية (وزارة المالية، العمل، الاقتصاد…) أسوة بالمؤسسات التقليدية؟ هل تسدد الرسوم والضرائب المتوجبة عليها؟ هل تصرّح عن أرباحها؟ من أين تأتي بمنتجاتها؟ هل تدخل ضمن البيانات الجمركية؟ من ينظم عملها؟ من يراقب؟ وهل يحق لأي شخص أن يدخل غمار هذا العمل التجاري؟!
هل تستطيع وزارة الاقتصاد مثلاً مراقبة جودة المنتجات المعروضة للبيع؟ وفي حال المخالفة هل من السهولة الوصول إلى تلك “المتاجر الأونلاين”؟!

أيضاً وأيضاً: هل عليها أن تلتزم بالشروط المفروضة على بقية المؤسسات التجارية مثل إبراز الأسعار وتقديم المعلومات الوافرة عن المنتج وإعطاء المستهلك حقوقه مثل ردّ المنتج أو استبداله سيّما في حال لم يتطابق مع الصورة؟ وماذا عن الالتزام بعدم تقديم إعلانات كاذبة وخادعة؟

والسؤال الأهم: ماذا بالنسبة إلى المستهلك: من يحميه؟ ما هي حقوقه؟ وفي حال النزاع إلى أين يلجأ؟

قد يكون في قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي الذي أقرّ مؤخراً الإجابات الشافية سيّما وأنه يتناول موضوع التجارة الإلكترونية في أحد أبوابه السبعة.
وبحسب هذا القانون تمّ تعريف التجارة الإلكترونية (Le commerce electronique) بأنها “النشاط الذي يؤدي بموجبه أحد الأشخاص أو يعرض عن بعد بوسيلة إلكترونية تزويد الغير بالسلع أو تقديم الخدمات لهم”.

يتناول الباب الثاني من القانون “التجارة والعقود الإلكترونية”، وعما ورد فيه يشرح، في حديث لـ “لبنان24″، الدكتور المتخصص بقانون التكنولوجيا، رئيس مركز المعلوماتية لتكنولوجيا الإتصالات في نقابة المحامين في بيروت ورئيس لجنة الإتصالات في مجتمع الإنترنت في لبنان المحامي شربل قارح أنّه تم تعديل المادة 31 التي تلحظ الشروط التي يجب أن تتوافر في كلّ من يريد ممارسة التجارة الالكترونية بحيث بات لزاماً عليه أن يؤمن ولوجاً سهلاً ومباشراً ودائماً إلى معلومات معيّنة بما فيها اسمه وشهرته ومحل إقامته وصفته المهنية وعنوانه المفصل وعنوان بريده الإلكتروني وعنوان موقعه الإلكتروني المستعمل ورقم الهاتف أو أي وسيلة أخرى مستخدمة، وعليه أيضاً أن ينشر رقم ومكان تسجيله في السجل التجاري ولدى الدائرة الضريبية المختصة، بالإضافة إلى بيان تفصيلي بالثمن أو البدل مبيّناً جميع الضرائب والرسوم والنفقات الإضافية المستحقة”.إذاً، وبحسب قارح، “تنطبق، مبدئياً، أحكام التجارة العادية نفسها على التجارة الإلكترونية”.

عوالم افتراضية خارج القانون

لكن ما هو الواقع حقاً؟ هل تؤمن الصفحات المنتشرة على مواقع التواصل الإجتماعي هذه المعلومات؟ هل يتمّ إبراز الأسعار بشكل واضح مثلاً؟ وهل تملك سجلاً تجارياً؟!
جولة سريعة في العالم الافتراضي تأتي بالإجابات: لا، ليست الأمور كذلك!

بيد أنّ رئيس اللجنة النيابية لتكنولوجيا المعلومات النائب نديم الجميّل يعتبر في حديث لـ “لبنان24” أنّ “تلك الصفحات الموجودة على وسائل التواصل الإجتماعي لا ينطبق عليها قانون التجارة الإلكترونية باعتبار أنّ عملية البيع والشراء لا تتمّ “أونلاين” كحال المواقع الإلكترونية التي تتيح للمستخدم شراء المنتج “بكبسة زرّ” والدفع أيضاً أونلاين، ويقول:”برأيي، فإن هذه الصفحات والحسابات تقوم فقط بعملية تسويق لمنتجاتها إذ لا يمكن إتمام عملية الشراء والدفع على فيسبوك أو انستغرام مثلاً، بل تتمّ عادة خارج الإنترنت بحيث يحصل المشتري على منتجه ويدفع عند الاستلام!”.
يضيف: “الأمر أشبه بشخص قام بتصوير ما ينوي بيعه على “فلايرز” ووزعها في الشوارع…إنها وسيلة تسويق!”.

لكنه يعقب: “لكن في حال حصول مثل هذه الأمور مراراً وتكراراً بشكل منتظم وممنهج، أي في حال المتاجرة الدائمة، فإن المعنيين بها سواء كانوا يتوسلون وسائل التواصل الاجتماعي أو أي طريقة تقليدية أخرى يخالفون القوانين المرعية لناحية عدم التصريح عن الأرباح والحصول على رقم تجاريّ…”.

في النتيجة إذاً، وبحسب الجميّل، ينطبق قانون التجارة العادية على القائمين على “الصفحات” التي “تسوّق” بهدف البيع وفي حال أي نزاع فإن القضاء المختص هو المعني بحلّه، علماً أنه في هذه الحال تستعمل “الكتابة الإلكترونية” التي لحظها القانون كنوع من الإثبات لا أكثر ولا أقلّ. أما قانون التجارة الإلكترونية فينطبق على كل منصة أو وسيلة الكترونية متطوّرة تُنجز فيها العملية التجارية، سواء كان ما تمّ شراؤه منتجاً أو خدمة (مثل التطبيقات وخدماتها مثلاً).

ويستند الجميّل في رأيه القانوني هذا إلى الفصل الثاني في قانون المعاملات الإلكترونية الذي يتحدث عن “العقود التجارية” بحيث ورد في المادة 33 على أن “كل من يعرض بحكم مهنته سلعاً أو خدمات بوسيلة إلكترونية التقيّد بالشروط …”، فيشير إلى أن ورود كلمة “مهنته” تعني حكماً أن الجهة التي تقوم بعملية تجارية لديها صفة وشركة مؤسسة…

حقوق المستهلك

في كلّ الأحوال، للمستهلك حقوق. يؤكد كلّ من الجميّل وقارح أنّ قانون التجارة الإلكترونية عُدّل ليتناغم ويتطابق مع قانون حماية المستهلك. وتأتي المادة 129 من قانون المعاملات الإلكترونية لتوضح أنه يجوز للمستهلك” العدول عن قراره بشراء سلعة أو استئجارها أو الإستفادة من الخدمة وذلك خلال مهلة عشرة أيام تسري إعتباراً إما من تاريخ التعاقد فيما يتعلق بالخدمات أم من تاريخ التسليم فيما يتعلق بالسلعة.
إلا أنه لا يجوز للمستهلك ممارسة هذا الحق في الحالات التالية:
إذا استفاد من الخدمة أو استعمل السلعة قبل إنقضاء مهلة العشرة أيام.
إذا كان الإتفاق يتناول سلعاً صُنعت بناءً لطلبه أو وفقاً لمواصفات حددها.
إذا كان الإتفاق يتناول أشرطة فيديو أو أسطوانات أو أقراص مدمجة في حال جرى إزالة غلافها.
إذا كان العقد يتناول شراء الصحف والمجلات والمنشورات
إذا ظهر عيب في السلعة جراء سوء حيازتها من قبل المستهلك.
إذا تضمن العقد خدمات إيواء أو نقل أو اطعام أو ترفيه تقدم في تاريخ معيّن أو بصورة دورية محددة.
إذا كان العقد يتناول شراء خدمة برامج عبر الإنترنت إلا في حال عدم حصول التشغيل أو التحميل”.
في سياق متصّل، يلفت قارح إلى المادة 154 من قانون المعاملات الإلكترونية التي تنصّ على أنه “تُفرض على أعمال التجارة الإلكترونية الضرائب والرسوم المفروضة على الأعمال غير الإلكترونية وفق القوانين المرعية الإجراء”، معتبراً أنها لا تحفّز المواطن على دخول غمار هذا النوع من التجارة، وهو أمرٌ سلبيّ في عصر التطوّر والتكنولوجيا وريادة الأعمال. ويقول:” لقد أصرّت وزارة المالية على الإفادة من كل تفصيل لإدخال موارد مالية وبالتالي غابت التسهيلات التي كان يمكن أن تتوافر من أجل تحفيز الأشخاص على القيام بالتجارة الإلكترونية”.
ولكن برأيه، لن يكون من السهل عليها أن تصل إلى مبتغاها، “فثمة إشكالية ستواجهها وزارة المالية مع وجود جهات تجارية مقرها في الخارج لكنها تقدم منتجاتها وخدماتها في لبنان!”.

القانون الجديد و”التشاؤل”!

وفي هذا السياق، يعتبر قارح أنّ قانون المعاملات الإلكترونية وحماية البيانات ذات الطابع الشخصي لن يُطبق منه سوى بابين من أصل سبعة وهما يتعلقان بموضوعي التوقيع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية، علماً أنّ موضوع التوقيع الإلكتروني لن يُطبق إلا في القطاع الخاص ذلك أنّ” إدارات القطاع العام ليست جاهزة بعد للتعامل مع هذا الواقع الجديد”.
من جهته، يوافق الجميّل على أنّ هذا القانون يلزمه بعض التعديلات في بنوده ليصبح أكثر جديّة، لكنه يبدو أكثر تفاؤلاً من قارح لناحية مدى تطبيقه.
قانونٌ سيصبح نافذاً مطلع السنة المقبلة (صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 18 تشرين الأول 2018)، وعلى الأرجح سيغيّر في المشهد الحالي ويكون موضوع نقاش و”تشريح” لتبيان ثغراته سيّما وأنه يتناول أموراً جديدة كالعملات الإلكترونية وحماية البيانات ذات الطابع الشخصي وتنظيم عنونة المواقع على شبكة الانترنت…
في الخلاصة إذاً، يتضح أنّ قطاع “الشوبينغ أونلاين” (وتحديداً في السوق اللبناني) تشوبه فوضى رغم وضوح القوانين المرعيّة الإجراء سيّما فيما يخصّ حقوق المستهلك، فهل يُعاد إلى الزبون “الملك” صولاجنه قريباً؟!

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله