باختصار.. 75 سنة استقلال والبلد ليس بخير

Doc-P-530180-636783962724314972.jpgليس سرّاً أو مكابرةً القول بأن ذكرى الاستقلال تمر هذا العام والبلد ليس بخير، فالانتداب الذي رحل قبل 75 سنة بفضل نضالات كثيرين من أبناء الوطن الذين عرفوا معناه وقيمة الشراكة والميثاقية واحترام الدستور، تحولَ احتلالات لشتى صنوف سياسات التعطيل، وتجاوز الدستور، وتحطيم المؤسسات، وتغوّل الفساد، وغياب المحاسبة، وضياع الفرص، وتراجع المؤشرات!

نظرياً ترك المؤسسون وطناً ودستوراً وتجربة سياسية قائمة على احترام الميثاق مع بعض الاختلالات التي ما لبثت أن انفجرت حرباً أهلية مؤلمة وطاحنة ختمت باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، لكنه أيضاً عالج بحكمة مسائل الصلاحيات وضمانات العيش الواحد، فيما الحقيقة أن لا توازن وطني، ولا بنية وطنية قوية، إزاء سياسات الاستيلاء، و”المليشيات السياسية” بحسب تعبير البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي. هناك من يظن أنه قادر على وضع يده على الرئاسات والإدارات والمقدرات والمواقع، وفوق ذلك أنه قادر على استعداء نصف الداخل ومعظم الخارج! من دون إدراك أنه ما عاد هناك شيء للطمع به، فالبلد غارق بالديون والأزمات السياسية والاقتصادية والحياتية والإدارية، ولا مبرر للبحث عن مزيد من الخصومات والعداوات.

عندما غابت الدولة وضعف الانتماء واستُخفّ بالدستور؛ تعثر الحكم، وتعطل البلد، وحضرت سلطة المجموعات التي رفعت “الطائفية” دستوراً لحفظ امتيازاتها وجشعها الذي تعاظم على حساب المصلحة العامة والمصالح الوطنية لدرجة تجفيف موارد الدولة عبر الانتهاب المقونن الذي راكم الديون وأوصل للعجز.

ليست أزمة تعطيل تشكيل الحكومة الأخيرة، شكلاً وغايات، أول تحدٍ وطني، قبلها يمكن للذاكرة الطرية استعادة عشرات العناوين للانقسام الكبير، وتراكم المشكلات، وتزايد مؤشرات العجز، وتنامي سياسات المحاصصة واحتكار المغانم.. وكل ذلك يستدعي استنفاراً من كل أركان الحكم لتصحيح الخلل وصون البلد عن منزلقات الانهيار.

يحلم اللبنانيون، كبقية خلق الله في كل البلاد، بالعيش في دولة عادية ومؤسسات مكتملة. مواطنون لهم حقوق، وعليهم واجبات، وعندهم آمال وطموحات، بعيداً عن سياسات المحاور، واشتراطات التعطيل، وذهنيات الفساد. بعيداً عن الفساد والمديونية والتلوث والنفايات ومافيات المولدات، و”اللفت المسرطن” و”المجرور المجهول”!

في يوبيل استقلالهم، يحلم اللبنانيون ببلد يعمّه الاستقرار وتتوفر فيه الكهرباء والماء والصحة والطرقات والخدمات.. ولا تغرق شوارعه وساحاته مع أول قطرة مطر.

لا يجوز لبلد يمتلك دستوراً ومؤسسات، شارك في تأسيس الأمم المتحدة ووضع ميثاقها، وعنده مؤسسات دستورية وجيش باسل؛ أن يعود الى الوراء، إلى الماضي في ادّعاء المضي نحو المستقبل. لا يجوز لبلد عريق في تنوعه وحضارته وتاريخه وثقافته وحيوية شبابه.. أن يغرق في وحول الفراغ والفشل والتهميش واليأس.

عيد الاستقلال مناسبة للتأكيد بأن لا نظام عصيّ على الاصلاح متى أراد الشعب ذلك. الشعب الذي يصنع الاستقلال قادر على تجديد عقده الاجتماعي، وعلى رفض أي تدجين قد يسعى البعض لفرضه، وأن الحاضر لا يمكن أن يُدار بعقليّة وذهنّية وأدوات الماضي؛ لأن ذلك يعني أن البلد ليس بخير، وأن الدولة ليست بخير وأن الاستقلال ليس بخير.

الاستقلال، ككل المكتسبات الغالية، يحتاج صوناً ونضالاً وعملاً دؤوباً لتعزيزه وحفظه، ليبقى محطة للفرح وحب الحياة والفخر بالانتماء، وتحدّي الحاضر، وصناعة المستقبل.

في الذكرى 75 لاستقلالنا؛ كل عام ولبنان واستقلاله وجيشه ومؤسساته بألف خير.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله