زحمة الإستقلال “الظرفية”.. وذاك الجندي المجهول

Doc-P-528965-636780403857170460.pngأنا واحد من بين مئات الآلاف من اللبنانيين الذين علقوا في زحمة السير الخانقة بالأمس، إذ تركت منزلي في ديك المحدي – المتن الشمالي عند الساعة السابعة صباحًا، متوجهًا إلى منطقة الحمراء، التي وصلت إليها عند الساعة الحادية عشرة إلاّ عشر دقائق، أي أن قطع هذه المسافة التي لا تتخطى عشرين كيلومترًا إستلزم أربع ساعات إلا عشر دقائق.

وأنا واحد من بين كثيرين الذين صبّوا جام غضبهم على الدولة ولم يتركوا كلمة بـ”الطالع والنازل” إلاّ وأستعملوها، سواء عبر المواقع الإجتماعية أو بينهم وبين أنفسهم، ولعنوا الساعة التي قررّوا فيها التوجه إلى العاصمة، التي تحّولت الطرقات المؤدية إليها إلى “باركينغ” لأرطال من السيارات الجامدة في مكانها.

والأنكى من كل ذلك أن موجة الغضب هذه ذهبت بالبعض إلى حدّ تحميل مسؤولية هذه الزحمة إلى منظمي التدريبات العسكرية إستعدادًا لإحتفالات عيد الإستقلال، التي ستقام في جادة شفيق الوزان، من دون أن ينسوا بالطبع ما رافق هذه الإستعدادات من غضب الطبيعة وهطول الأمطار بغزارة، بالتزامن مع سقوط شاحنة من على جسر أنطلياس مما زاد الطين بلّة.

وأنا مسمّر في مكاني لساعات وأتنقل من محطة إذاعية إلى أخرى علني اسمع كلامًا يطمئن بقرب الفرج من دون، ولكني كنت أصاب بخيبة وانا أتفرّس في وجوه القابعين في سياراتهم من حولي، يمينًا وشمالًا، وأرى التعابير نفسها التي تعبّر عن مدى القرف البادي على الوجوه وإشارات الأيدي والتأفف وإطلاق العنان لسيل من الشتائم، التي لم توفرّ مسؤولًا واحدًا في الدولة.

وبينما كنت أسمع من وقت لآخر ما يقترحه المواطنون الذين كانوا يتصلون بهذه الإذاعة أو تلك لكي “يفشوا خلقهم” ويعبرّوا عن غضبهم وسخطهم، ومن بين هذه الإقتراحات أن توقيت هذه التدريبات لم يكن موفقًا، إذ كان من الممكن تفادي كل هذه الزحمة لو أن هذه التدريبات قد أجريت مثلًا يوم الأحد، وهو يوم عطلة ولا يكون المواطنون مضطّرين إلى التوجه إلى أعمالهم، كما حصل قبل أسبوع في “ماراتون بيروت، وكذلك الإفادة من يوم العطلة في ذكرى المولد النبوي الشريف يوم الثلثاء في 20 الجاري، أي قبل يومين من ذكرى الإستقلال، وهي الذكرى الخامسة والسبعبن، أو نقل العرض العسكري من بيروت إلى مكان آخر، أو إقتصار الإحتفال على عرض عسكري رمزي يجري في وزارة الدفاع.

وبينما كنت أستمع إلى كل هذه الإقتراحات ذهب تفكيري إلى مكان آخر، وهذا ما كان يجب أن يفعله كثيرون من العالقين بالزحمة للتخفيف من حدّة غضبهم وشدّة إنفعالاتهم، وراودني مشهد ذاك الجندي المتكىء على بندقيته، وقد غطّاه الثلج، بينما كان يقوم بواجبه الوطني، تاركًا عائلته ودفء المنزل، وهو الساهر على أمن كل واحد منّا، وهو الذي بفضله لم يعد الإرهاب يهدّد حياة كل فرد من أفراد الوطن، ومن بينهم المتذمرّون من زحمة السير، وأنا واحد منهم.

فهذا الجندي القابع خلف متراسه في الصقيع والزمهرير، وهو مستعد للتضحية بروحه وببذل دمه فداء للوطن وزودًا عن الأرض، وتأمينًا لإستقرار ننعم به، فلو لم يكن لديه إيمان راسخ بأن ما يقوم به يتخطّى محدودية راتبه الشهري، ولو لم يكن هذا الجندي المجهول متواجدًا حيث يدعوه الواجب الوطني لما كان عندنا لا آمان ولا إسقرار ولا سلام.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله