اعتصام العدّادات: دولةٌ تلعب ومافيا تتحكّم وشعب ينكّت على همومه بالشمعة

Doc-P-525901-636771858390441397.jpg

تتوالى الأحداث، تتنوع، تعظمُ أو تصغر؛ أميركا تنتخب، دونالد ترامب يفرض عقوبات، الإماراتيون ينطلقون نحو الفضاء، وصحارى الجزيرة العربية تتحول إلى واحات.. لكن قوانين العالم لا تسري على لبنان المصرّ على احتلال أسفل المشهد عن جدارة.

أمس، لم يكن الحدث سياسياً، تأبى السخافة في لبنان إلا أن تكون كاملة المثالب. أصحاب المولدات، ما غيرهم، ضاقوا ذرعاً بسعي الدولة، فجأة وعلى غير هدى، بتنظيم عملهم عبر وزارة الاقتصاد من خلال تركيب العدادات للمواطنين واعتماد تسعيرة رسمية تصدرها وزارة الطاقة شهرياً وفق تبدلات أسعار النفط صعوداً وهبوطاً. طبعاً هم لم يطبقوا قرار الوزارة/ الوزارات (الاقتصاد والطاقة والداخلية) إلا في النزر اليسير فتمّ استدعاء بعض المتخلفين عن التنفيذ إلى التحقيق، الأمر الذي اعتبروه تطاولاً على كراماتهم وتشويهاً لسمعتهم وهم من يعوّض عجز الدولة وفشلها، ولذلك قرروا الانتقام من المواطنين من خلال قطع التيار الكهربائي (مع ملاحظة أن الدولة أعجز من أن تعوض النقص في هاتين الساعتين).

أصحاب المولدات لا يريدون لا العدادات ولا التسعير ولا أي رقابة أصلاً، وهي أمور ضرورية ومطلوبة، ونقطة القوة التي يعتمدون عليها، أن الدولة عاجزة أصلاً عن تأمين خدمة الكهرباء بما هي حاجة ضرورة للحياة، لا اليوم ولا غداً ولا بعد عشر سنين، وأعظم إنجازاتها قد تكون تأمين باخرة فيول، وبالتالي فإن الحاجة إليهم أقوى من كل القرارات، فقط يراهنون على الوقت وكثرة التفاصيل وانشغال المسؤولين وأهل السلطة بقضايا كونية كبرى، ليتحول قرار العدادات إلى ذكرى.

عقدة كوميدية سوداء مكتملة العناصر، سلطةٌ فشلت عبر عقود في تأمين التيار الكهربائي، ليس هذا فحسب، بل ركّبت دَيناً على الخزينة العامة بسبب الكهرباء يشكّل نحو ثلث الدين العام البالغ قرابة تسعين مليار دولار!

ولأن الطبيعة تأبى الفراغ، ظهرت مجموعات عملت على تأمين التيار الكهربائي في المدن والمناطق من خلال اشتراكات المولدات، لكن الجشع غير المتناهي حولهم إلى ما يشبه آلة تبتز المواطنين وتراكم أرباحاً خيالية من وراء حاجة الناس وتقصير الدولة. ليس هذا فحسب، صحيح أن حرية التكسب مصانة في القانون، لكن هؤلاء لم يشبعوا، وعمدوا في أكثرية المناطق إلى منع المنافسة بطرق مافيوية، وهم في الغالب يتمتعون بحمايات من سياسيين فاسدين! لا بل إن بعضهم يسرق “التيار” من منطقة ليبيعه في منطقة أخرى على أنه اشتراك مولد!

في الخلاصة، لم تستطع السلطة تأمين الكهرباء فتشاطرت على أصحاب المولدات الذين تمردوا بدورهم. وأغرقوا المناطق بالعتمة والظلام من دون أي مسؤولية. وما بين هذا وذاك يقف المواطن أسير اللامبالاة، واللامسؤولية، والعبثية، لكنه بدل الثورة والتمرد يلجأ إلى التنكيت هرباً من بؤسه.. وما بين عشوائية قرار الوزارة، وتصرف أصحاب المولدات والمأساة التي عاشتها آلاف العائلات مساء أمس “دليل على انعدام الرؤية الصحيحة لحل أزمة الكهرباء، وترك الناس رهينة الأمزجة والخطوات العشوائية”، كما قال الرئيس نجيب ميقاتي. أليس هناك من خيارات يمكن اللجوء إليها لإشعار الناس بالحدّ الأدنى من احترام كرامتهم الإنسانية.. من يتذكر نور الفيحاء؟ ومن يعرف مَن، ولماذا، ولأي هدف تمت عرقلتها؟

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله