لإبعاد المشاعر السلبية عن أطفالكم: إليكم هذه القواعد الذهبية!

Doc-P-509821-636722646761145769.jpgالغضب، الحزن، الكراهية، الخوف… كلّها مشاعر سلبية قد يلاحظ الأهل أنها باتت، مجتمعة أو “بالمفرق”، تطبع يوميات طفلهم (تهم) الصغير (ة)، وتؤثر بالتالي على حياتهم. هذه المشاعر هي كناية عن ردود فعل، أي أنها لا تولد من عبث. الجنين في الرحم قد يشعر بها نتيجة أفعال معيّنة، وهي بطبيعة الحال تقف بالمرصاد طيلة حياة الفرد في حال تعرّضه لما يُنتجها. “كلّ المشاعر لها وظائف معيّنة عند الأشخاص، صغاراً وكباراً” يشرح الطبيب والمعالج النفسي د. مرام الحكيم في حديث لـ “لبنان24″، مستكملاً الحديث عنها في مراحل ما بعد الرضاعة (
راجع التقرير الأول لمراحل ما قبل الولادة
فما هي عموماً العوامل التي تؤدي إلى تفجير المشاعر السلبية عند الطفل أياً يكن عمره؟
هناك تصرّفات عديدة يقوم بها الأهل، عن قصد أو من دون انتباه، تؤذي الطفل وتعرّضه بالتالي لعواقب متنّوعة في المستقبل مثل أن تكون شخصيته مرضية. ويدرج د. الحكيم هذه السلوكيات إلى الأقسام التالية:
1- عدم تلبية الحاجات (المختلفة بحسب العمر): سواء كانت حاجات جسدية تشمل الطعام والشراب والدفء واللمس، أو حاجات نفسية ومنها التفاعل مع الطفل بطريقة إيجابية ومريحة تشعره بالسعادة والاطمئنان، أو حاجات عقلانية ومنها تحفيزه عبر الألعاب والأنشطة المختلفة.
2- الإهمال: والمقصود به عدم قضاء الوقت الكافي معه بخاصة في عمر التعلّق الذي يبدأ من عمر السبعة أو ثمانية أشهر وينتهي في سنّ الرابعة أو الخامسة. ونظرية التعلّق ( Attachment theory) هي نظرية تصف طبيعة العلاقات طويلة المدى بين البشر، وتعتقد بأن الطفل بحاجة إلى تكوين علاقة مع شخص واحد على الأقل من مُقدمي الرعاية لكي يحصل على النمو العاطفي والاجتماعي بطريقة طبيعية.
لا يمكن اللعب بالبيولوجيا
يتوّقف د. الحكيم عند هذه النقطة نظراً إلى أهميتها فيشرح أنّه في هذه المرحلة يُكوّن الطفل شخصيته، وهو بيولوجياً وبالفطرة، بحاجة إلى التعلّق بشخص واحد لا يتغيّر طيلة تلك السنوات، والتعلّق هنا يعني عدم غياب هذا الشخص عنه حتى لفترات قصيرة بخاصة في بداية المرحلة والتي كلّما تقدمت كلما بدأ الطفل بالانفصال والاستقلالية.
لكن هل يمكن حقاً تحقيق هذا الأمر في عصرنا هذا حيث يعمل الزوجان ويدخل الطفل إلى المدرسة في سنّ الثالثة أو الرابعة، وحيث مدّة الأمومة في لبنان تقتصر فقط على سبعين يوماً؟!
بالنسبة إلى الطبيب والعالم النفسي، “لا يمكننا اللعب مع البيولوجيا. لا يمكننا تخطي حاجاتنا البيولوجية مهما تغيّرت ظروف الحياة. أكان المجتمع قادراً على التأقلم مع هذه الواقعة العلمية أم لا، فهذه قضية أخرى ومشكلة أخرى. لكنّ الأكيد أننا كبشر نمرّ في مرحلة التعلّق، وهي أساسية، وفي حال الخلل سوف تكون لها عواقب سلبية، وبالتالي على الأهل أن يعوا هذا الأمر ويختاروا ويقرروا. يمكنهم مثلاً ابتكار طرق مثل الاستعانة بمربية شرط عدم تغييرها طيلة السنوات تلك، أو بالجدّة مثلاً”.
واضحٌ إذاً أنّ نظرية التعلّق لا تشترط أن تكون الأم هي ذلك الشخص الذي عليه عدم مفارقة الطفل، لكن في الماضي كان هذا الأمر يحصل بشكل تلقائي بحكم دور الأم كرّبة عائلة وذهاب الأب إلى العمل.
وبالنسبة إلى دخول الطفل في عمر مبكر إلى المدرسة، فيعلّق د. الحكيم:”إنها فكرة سيئة. اليوم عاد الغرب إلى إعادة النظر بهذا الأمر وصار يدعو إلى تأخير إدخال الأطفال إلى المدارس.
ويلفت الطبيب والعالم النفسي إلى أهمية أن يكون الوقت الذي يقضيه هذا الشخص مع الطفل، والذي منه سوف يكوّن شخصيته ويكتسب بعض خصاله وأطباعه، أن يكون جيداً من حيث الكمية والنوعية أيضاً! وعن تعلق الطفل في صغره بلعبة أو منشفة أو بطانية ، فيقول د. الحكيم أنه “ليس بالأمر السيء، بل على الأهل ألا يحرموا الطفل من هذا الغرض (يعرف بـ “الكائن الانتقالي” أو transitional object، لكونه بمثابة البديل الذي يشعر الطفل بالراحة والاطمئنان والأمان.
“من وين جيت”؟
وبالعودة إلى الأفعال التي توّلد المشاعر السلبية، نصل إلى:
3- الإساءة: وهي تشمل الإساءة الجسدية، والجنسية والعاطفية والعقلية. يشرح د. الحكيم أنّ الإساءة الجسدية تشمل الضرب والتعنيف الجسدي، والإساءة الجنسية هي أي نوع من أنواع التحرش أو الاغتصاب، وهي أيضاً تدليل الطفل من خلال الحديث عن أعضائه التناسلية أو تقبيلها أو الاتيان على ذكرها بطريقة ملتبسة.
وللأسف، فهذا السلوك الخاطئ منتشر في مجتمعنا، تضاف إليه الطريقة التي يتعاطى فيها الأهل مع موضوع الجنس أمام الأطفال مثلاً عندما يسأل الطفل أهله أسئلة مثل “من وين جيت”، فإنهم غالباً ما يتهربون من الإجابة، والحال أنه عليهم إفهام صغيرهم بطريقة علمية وواضحة ومبسطة حقيقة الأمر من خلال القول مثلاً:”عندما تجوزنا، ربيت أنت في بطن أمك وولدت من هناك”.الحقيقة إذا يجب أن تقال مع مراعاة عمر الطفل، والحرص على أن تكون التربية أصلاً علمية وبعيدة من تعييب الأعضاء التناسلية أو الضحك عليها.
وعن الإساءة العاطفية، يشرح د. الحكيم أنها تتمثل مثلاً في أن يُحرم الطفل من عاطفة والديه، أو أن يقلب الأهل الأدوار، وهي من أخطر الأمور التي يمكن أن تحصل إذ تحمل الصغير مسؤوليات وتضعه في حال من الضياع. ويحصل تبديل الأدوار وقلبها عندما تقول الأم لطفلها مثلاً: “بدك تهتم فيّ”، أو “أنا ما فيني عيش بلاك”، أو “لازم تبوسني”، أو أنها تأخذ بمشورته على سبيل المثال.
والحال أنّ الطفل يجب أن يدرك أنه الصغير وأن والدته هي التي تضع الحدود.
وتشمل الإساءة العقلية تزويد الطفل بأفكار ومعتقدات خاطئة عن الحياة، عدم تحميله مسؤوليات (توافق عمره طبعاً)، عدم وضع القيود بل على العكس إعطائه حرية مطلقة لكنها في الحقيقة مؤذية مثل السماح للطفل بضرب إخوته وأصدقائه، إطلاق الشتائم، إلحاق الضرر بالمنزل…

إنّ وضع الحدود هي من مسؤوليات الأهل وواجباتهم وذلك يتمّ عبر مبدأ الثواب والعقاب، فعندما يقوم الطفل بأمر جيّد على الأهل الثناء على فعله ومكافأته (إجراء صغير ولا يتطلب الأمر احتفالاً)، وعندما يخطئ على الأهل معاقبته عن طريق حرمانه من أمر يحبه، ومن المهم دائماً أن يشرحوا للطفل السبب وأن يفصلوا، في سياق مخاطبتهم له، فعله عن شخصه (نقول له “يلي عملتو غلط”، وليس “انت غلط وما بتسوى وما بتفهم”.
والإساءة العقلية تشمل أيضاً مقارنة الطفل بإخوته أو رفاقه، وهذا أمر خطير جداً وعلى الأهل تجنبه دائماً، بل عوض ذلك حضّ الطفل على القيام بما يتناسب مع قدراته فقط. يقول د. الحكيم:” القاعدة الذهبية ألا نطلب من الطفل أن يكبر قبل أوانه وألا تكون توقعاتنا منه أكبر من قدراته”.

إذاً، إنه أسلوب تربية وتعاطي مع الطفل علميّ يجنبّه المشاعر السلبية ويقوي شخصيته ويجعلها بمنأى من العقد والتبعات السلبية. لكن هل بمقدور الأهل الذين تربوا وفق أسلوب مغاير فاكتسبوه وباتوا يطبقونه من دون قصد ربما على أطفالهم أن ينجحوا في اتباعه؟!
الإجابة مفرحة. بحسب د. الحكيم، “نعم، بإمكانهم ذلك من خلال الوعي أولاً واتباع بعض الآليات التي تعمل على ضبط النفس والتفكير مسبقاً بالخطوات قبل تنفيذها. وإذا تعذّر الأمر أو كان صعباً، فيمكن اللجوء إلى العلاج النفسي لتغيير السلوك بما يخدمهم شخصياً ويصبّ في مصلحة أبنائهم على حدّ سواء”.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله